الفساد الزبائني: حين يتحوّل الانحراف الفكري إلى بنية سلطة:

بقلم: عماد خالد رحمة_ برلين.

من أخطر أنواع الفساد الفسادُ الفكري؛ لأنه البيئة الحاضنة لنموّ الفساد الأخلاقي والسلوكي. ويتجلّى ذلك في هذا الزمن المُرَمَّد بالنفايات الفكرية التي تُبثّ عبر الفضائيات، والشاشات الكبرى، والشاشات الزرقاء على الشبكة العنكبوتية (الهواتف المحمولة)، وعلى صفحات الصحف الصفراء؛ بما يفضي إلى انحرافات فكرية خطيرة هدفها تدمير الفرد والمجتمع، وتحطيم العقائد والأديان، وزرع الخلاف والتسلّط والاستغلال. ومن ثمّ يشمل هذا الفسادُ الجانبَ المعنوي والمادي معاً، ويمتدّ إلى فساد النفوس وتدنّي الأخلاق الإنسانية السامية، وانهيار القيم والمُثُل التي نعتزّ بها، وانتشار الخبث الذي يُطلَق حتى على النجاسات الحسية.
من هنا، فإنّ الفساد الفكري مشكلة جسيمة تواجه الدول التي يقوم كيانها على القوانين والتشريعات الناظمة ضمن مؤسسات رسمية ذات مهام فاعلة؛ لأنّ هذا النوع من الفساد ينال من هيبة الدولة، ويُضعفها، ويؤثّر في دورها، ويُقلّل من قدرتها على بناء مؤسساتها وتنمية حاضرها وصناعة مستقبلها.
وطوال العقود الثلاثة الماضية، ومع تسلّط الإعلام النيوليبرالي، وانتشار القاموس السياسي بمصطلحاته مثل «التبعية» و«الإلحاق»، برز متغيّران «إصلاحيان» كانا ينتشران معاً في الهرم التقليدي للدولة العربية المعاصرة: اشتداد التكلّس، بل التحجّر السلطوي للأنظمة الحاكمة، وإفراز بطانة فاسدة تعمل لصالح السلطة اقتصادياً ضمن ما بات يُعرَف بالفساد الزبائني. وقد أُنيط بهذه البطانة، التي جرى تعيينها بعناية، تشكيلُ شريحة هرمية طبقية عمودية موازية لهرمية المجتمع التقليدي الأفقي، تتكوّن من فئة الأثرياء الكبار الجدد، والكمبرادور، أي طبقة البورجوازية التي سرعان ما تتحالف مع رأس المال الأجنبي الوافد تحقيقاً لمصالحها الخاصة بعيداً عن مصالح الوطن، وللاستيلاء على السوق الوطنية تحت شعارات البناء والتطوير والتحديث. ويلتحق بها تجمعٌ من الطبقة الوسطى، مؤلَّف من موظفي ومستخدمي مؤسسات النخبة الغنية وشركاتها المستحدثة بقرارات خاصة وموافقات استثنائية.
هذه الهرمية الثانية الموازية قد تُمنح مظاهرَ حرياتٍ طافية على سطح المجتمع الأصلي، المتمترس خلف ركام من الإحباط، والغارق في ركوده وعاهاته التقليدية. كما قد تبني الدولة لنفسها أجهزةَ إدارة بملامح تحديثية تطويرية، غير أنّها في الواقع أجهزة تطويع وإخضاع، تقف على مسافة من الأجهزة القديمة المهترئة المتروكة لبلاياها المتأصلة فيها.
من هنا ندرك أنّ الفساد الفكري هو القوة الضاربة المدمّرة للاقتصادات الوطنية، والهادمة لخطط البناء والتنمية والتحديث والتطوير. وفضلاً عن ذلك، فإنّ مردوداته ونتائجه السلبية والخطيرة تدفع بالبلاد إلى التخلّف أشواطاً بعيدة عن ركب التقدّم الحضاري العالمي، ولا سيّما حين تكون القرارات الرأسية وصناعتها بيد سلطة حاكمة فاسدة لا تفقه سوى لغة الاستحواذ والسيطرة وعقد الصفقات المريبة خلف الأبواب الموصدة، بعيداً عن علم الشعب، بهدف استنزاف موارده وطاقاته وقوته، بل ومصادرة مصادر عيشه وحياته اليومية.