السياسي -متابعات
بعد إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة معقّدة: كيف يمكن تحقيق الاستقرار في فنزويلا وفتح الطريق نحو انتقال ديمقراطي من دون الانزلاق إلى الفوضى؟ في قلب هذه المعادلة تقف الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، الشخصية الجدلية التي جمعت بين البراغماتية الاقتصادية والارتباط الوثيق بمحور خصوم واشنطن.
ويقول صموئيل بن-أور، محلل أبحاث مختص في شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأمريكية، في مقال بموقع “ناشونال إنرست”، إن رودريغيز لم تتردد في مهاجمة واشنطن علناً، مؤكدة أن فنزويلا دفعت ثمناً باهظاً لما وصفته بـ”الفاشية والتطرف” المدعومين من الخارج.
وأضاف الكاتب أنه على الرغم من هذا الخطاب التصعيدي، فإنها التزمت عملياً بجملة من الشروط الأمريكية.
وتابع الكاتب أن كاراكاس وقّعت اتفاقاً لتوريد 50 مليون برميل من النفط إلى الولايات المتحدة ودول أخرى، وأقرت قانوناً يتيح للشركات الخاصة الوصول إلى الاحتياطات النفطية، كما أفرجت عن مئات السجناء السياسيين، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها محاولة لفتح صفحة جديدة مع الغرب.
أولويات واشنطن
وأوضح الكاتب أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لخّص أهداف بلاده في ثلاث مراحل: استقرار فنزويلا، وإنعاش قطاع النفط، ثم الانتقال التدريجي إلى الديمقراطية. لكنه أقرّ بأن هذا المسار سيستغرق وقتاً.
وأضاف الكاتب أن نقطة الخلاف الأساسية بين واشنطن ورودريغيز تتمثل في رفضها إخراج روسيا وإيران والصين وكوبا من الأراضي الفنزويلية، وهو مطلب أمريكي مركزي لإعادة رسم خريطة النفوذ في البلاد.

الوجه الرأسمالي
وأشار الكاتب إلى أن رودريغيز أدت، خلال فترة عملها وزيرة للخارجية ثم نائبة للرئيس في عهد مادورو، دور الوجه الرأسمالي داخل النظام الاشتراكي. إذ روّجت لقانون «مكافحة الحصار» عام 2020، الذي سمح بعقود سرية ومرنة وفتح الباب أمام الخصخصة الجزئية.
وأضاف الكاتب أنها أعادت التواصل مع اتحاد غرف التجارة والصناعة الفنزويلية، وساهمت في إدارة اقتصاد شبه مُدولَر، وأطلقت مناطق اقتصادية خاصة لجذب الاستثمار.
شبكة علاقات مع خصوم أمريكا
وتابع الكاتب أن رودريغيز كانت مهندسة العلاقات مع موسكو وبكين وطهران وهافانا، إذ مهّدت لقاءاتها في موسكو عام 2019 لنقل أصول نفطية فنزويلية إلى روسيا، وأسهمت لقاءاتها في بكين عام 2023 في رفع العلاقات إلى مستوى شراكة استراتيجية شاملة، كما لعبت دوراً في التنسيق النفطي مع إيران وتوقيع خطة تعاون طويلة الأمد معها، إضافة إلى تعزيز الشراكة التاريخية مع كوبا.
ضغوط داخلية وخارجية
وأوضح الكاتب أن رودريغيز تواجه تحديات جسيمة في الداخل، أبرزها معسكر المتشددين التشافيين بزعامة وزير الداخلية ديوسدادو كابيلو، الذي قد يفضّل انقلاباً على ما يعتبره خضوعاً لواشنطن.
وأضاف الكاتب أن الصين وروسيا تطالبان باستعادة ديونهما الضخمة، فيما تعتمد كوبا بشكل كبير على النفط الفنزويلي المدعوم، ما يجعل أي تقارب مع واشنطن محفوفاً بمخاطر أمنية مباشرة على رودريغيز.

الخيار الأقل سوءاً
قال الكاتب إن الإدارة الأمريكية لا ترى في رودريغيز حلاً دائماً، لكنها تعتبرها الخيار الأقل سوءاً في المرحلة الحالية. فهي أبدت استعداداً للتنازل في ملفات عدة، في حين أن سقوطها أو استبدالها بمتشدد قد يقود البلاد إلى حرب أهلية أو انهيار كامل للمسار الانتقالي.
وخلص الكاتب إلى أن واشنطن تسير على حبل مشدود بين محاولة إعادة بناء فنزويلا ومنع انزلاقها إلى الفوضى، ورغم أن الاعتماد على شخصية متورطة في سياسات مادورو ليس خياراً مريحاً، فإن شراكة مؤقتة مع رودريغيز قد تكون السبيل الوحيد حالياً لإعادة حق الفنزويليين في اختيار قادتهم عبر انتخابات حرة ونزيهة، أما نجاح هذا الرهان، فسيكون أول اختبار حقيقي لعقيدة واشنطن الجديدة في أمريكا اللاتينية.





