بلغ واقعُنا العربيُّ من الصعوبة ما لم يبلغه من قبل؛ إذ وصل حدًّا مؤلمًا جرّاء التهاوي والنكوص والارتكاس والتراجع عن ركب الحضارة الإنسانية التي بلغناها نحن العرب يومًا ما. وفي مقابل ما بلغه العالم من محاولات تأصيل الفكر الإنساني والأدبي والثقافي والمعرفي، وتعزيز الديمقراطية بأرقى سماتها، عاش شعبُنا العربي حالةً من الضياع والفقد، وربما فقد البوصلة في كثير من الأحيان نتيجة العبث بأقدار بعضنا بعضًا؛ حتى اختلطت الأوراق بالأصوات، وتاهت العقول، وشاحت العيون، وشحبَت الوجوه، ووهنت الأجسام، ولم نعد قادرين على التمييز بين الغث والسمين، ولا بين تغريد البلابل ونعيق الغربان أو البوم.
ليست هذه نظرةً تشاؤمية بقدر ما هي نظرة واقعية تغوص في أعماق مشكلاتنا المغطاة بقشّة واهنة. فلو أراد بعض كتّاب مسرح العبث البارزين أن يكتبوا مسرحيةً من مسرح اللامعقول عن حالة الفقد التي نعيشها، لما استطاعوا التمييز بين تغريد العصافير ونعيق الغربان، ولا بين دور البطل ودور الكومبارس الهامشي، ولا بين الشفق والغسق. ولما وجدوا مشاهد عبثية أقسى وأشد مما تعيشه بلداننا العربية اليوم.
ولو أُوكِلت المهمّة إلى الكاتب والسينمائي الإسباني Fernando Arrabal، المقيم في فرنسا، ليكتب فصولًا من مسرح عبثي عن واقعنا العربي المرير، لاختلط عليه الأمر وضاع بين الخيال والواقع. وكذلك لو أوكلنا المهمّة إلى الكاتب المسرحي الروماني – الفرنسي Eugène Ionesco، الذي كتب عن عبثية الحياة ووحدة الإنسان وانعدام الغاية في الوجود الإنساني، لربما اعتذر عن الخوض في واقع يتجاوز في غرابته كل تصوّر مسرحي.
عندئذٍ سيعتذر هؤلاء عن كتابة تلك المسرحية، لأن خيالهم لا يبلغ الحد الذي وصل إليه واقعنا العربي، بدءًا من الحروب التي وُصفت بـ«حروب الإخوة الأعداء»، حيث نفقد التمييز بين القاتل والقتيل، والظالم والمظلوم، وليس انتهاءً بمفارقات سياسية يعود فيها القياصرة والأكاسرة بثياب تنكرية ولغة تليق بزمن العولمة. وهذا لا يعني أن الحدود بين الحق والباطل قد زالت، بل إن التضاريس الفكرية والمعايير الأخلاقية والمستويات السياسية والاجتماعية باتت مغطاة بالدخان والغبار.
وثمّة من يرطنون بنهاية التاريخ، مثل المفكر الأمريكي Francis Fukuyama، الذي تأثر بفلسفة Georg Wilhelm Friedrich Hegel، وصاغ أطروحته الشهيرة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وجدار برلين وانتهاء الحرب الباردة، في كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» (1992). وقد جاءت أطروحته في سياق جدل فلسفي يمتد إلى Karl Marx ونظريته في «المادية التاريخية»، التي رأت أن نهاية تاريخ الاضطهاد الإنساني تتحقق بزوال الفوارق الطبقية. غير أن الواقع العربي يولّد أطالس جديدة وجغرافيات سياسية متحركة لا تنسجم مع أيّ خاتمة حاسمة للتاريخ.
ولا نستغرب، والحال هذه، ما قيل من أننا استخدمنا الدادائية والسريالية والفن التجريدي في السياسة بدل الفن والأدب. فالمزاج السياسي اليوم تصنعه قنوات فضائية تحوّل بعضها إلى غرف عمليات، بحيث لا نكاد نفرّق بين جنرال ومحلل سياسي ومذيع. وما إن يظهر اسم قناةٍ ما على الشاشة حتى نستطيع توقّع ما سيُقال، لأن نهجها ومواقفها وأهدافها وهويتها – وداعميها – واضحة، بل مُعلّبة سلفًا، وإن كانت بلا تاريخ صلاحية مُعلن. وهكذا صار التلاعب بالمزاج السياسي جزءًا من مهنة الإعلام بكل فروعه المقروءة والمسموعة والمرئية، ووسائل التواصل الاجتماعي التي لم تعد تقف على مسافة واحدة مما يحدث، ولا تحافظ على توازنها في علاقتها بالأفراد والجماعات والدول.
ومسرحية «مسافر ليل» التي كتبها الشاعر المصري صلاح عبد الصبور، وعُرضت عام 1969، تُعدّ مثالًا عربيًا بارزًا لمسرح العبث؛ إذ تعرّي سيكولوجية الشر الإنساني، وتناقش مفاهيم الخير والشر وجدوى الوجود، وتُسقط علاقة الحاكم بالمحكوم في سياق درامي مكثّف. وقد نشأ مسرح العبث في أوروبا متأثرًا بأجواء ما بعد الحربين العالميتين، حيث سادت مشاعر العزلة والقلق وانعدام المعنى. ومن أعلامه Albert Camus وSamuel Beckett.
فقد قدّم بيكيت مسرحيته الشهيرة في انتظار غودو، وهي مسرحية رمزية تتسم بغموض الفكرة وغياب الحل والعقدة التقليدية. وكذلك كتب يونسكو مسرحية المغنية الصلعاء، التي تجسّد عبث اللغة وفراغ التواصل. وإذا ما قارنّا هذه الأعمال بما نعيشه من «تراجوكوميديا» عربية – حيث امتزجت الملهاة بالمأساة – بدت تلك النصوص أقل غرابة من واقعنا.
إنها مفارقة درامية تُحيلنا إلى المقولة الشهيرة: «شرُّ البلية ما يُضحك». فقد بات كل شيء عصيًّا على التصديق؛ إذ بلغنا مبلغًا من الفقر المدقع، والجهل الطاغي، والأمية المستفحلة، ما رسم خريطةً جديدة لتضاريس أمتنا، ووضعنا أمام السؤال القاسي: لقد بلغ سيلُ الدم الزُّبى، فمتى تنهض عنقاؤنا من رمادها؟





