النسق الصهيوني ما بعد الدولة من الدولة القومية إلى الوطن المتخيَّل إلى العولمة السياسية

بقلم: د. صالح الشقباوي

أستاذ جامعي – محلل سياسي

لم تعد الصهيونية المعاصرة هي ذاتها التي صاغها آباؤها المؤسسون في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. لقد انتقلت من طور “الفكرة – المشروع” إلى طور “الدولة – الواقع”، ومن ثم إلى طور ثالث أكثر تعقيداً يمكن تسميته بـ”ما بعد الدولة”، حيث تتحول الدولة من غاية إلى أداة، ومن إطار سيادي مغلق إلى مركز ضمن شبكة عولمية متداخلة.

أولاً: من الفكرة إلى الدولة

تأسست الصهيونية الكلاسيكية مع تيودور هرتزل كحركة سياسية تهدف إلى إقامة دولة يهودية. كان الهدف واضحاً: حل “المسألة اليهودية” عبر السيادة. ثم جاء دافيد بن غوريون ليحوّل الفكرة إلى واقع بإعلان قيام إسرائيل عام 1948. هنا كانت الدولة هي الذروة؛ هي الحلم وقد تحقق.
لكن الدولة لم تكن النهاية، بل بداية تحول جديد.

ثانياً: من الدولة إلى الوطن

بعد ترسيخ الدولة، بدأت الصهيونية تعيد تعريف ذاتها. لم يعد الهدف مجرد الحفاظ على الكيان السياسي، بل تكريس “الوطن التاريخي” بوصفه امتداداً توراتياً وجغرافياً. في هذه المرحلة، لم تعد الحدود السياسية نهائية، بل قابلة لإعادة التشكيل وفق تصور ديني – قومي متصاعد.
هنا انتقل الخطاب من منطق “الدولة ضمن حدود” إلى منطق “الوطن في التاريخ”، حيث تصبح الجغرافيا جزءاً من الميتافيزيقا السياسية. هذا التحول مهّد لصعود التيارات القومية – الدينية التي ترى في الضفة الغربية امتداداً عضوياً للهوية.

ثالثاً: ما بعد الدولة – العولمة الصهيونية

في المرحلة الراهنة، لم تعد الصهيونية محصورة في حدود الدولة الإسرائيلية، بل تحولت إلى نسق عابر للحدود:
شبكات دعم سياسية في الولايات المتحدة وأوروبا
تأثير اقتصادي وتقني عالمي
توظيف الخطاب الأمني في سياق الحرب على الإرهاب
إعادة صياغة العلاقة مع الدول العربية عبر اتفاقيات تطبيع
هنا تتحول الدولة من غاية إلى “مركز شبكة”. لم تعد السيادة مجرد سيطرة على الأرض، بل قدرة على التأثير العالمي. هذه هي مرحلة “العولمة الصهيونية”، حيث يتداخل الأمن بالاقتصاد، والدين بالسياسة، والهوية بالاستراتيجية الدولية.

رابعاً: الديالكتيك بين البقاء والتحكم

في صيرورتها الجديدة، لم تعد الصهيونية منشغلة فقط بالبقاء، بل بالتحكم في معادلات الإقليم. من هنا يمكن فهم صعود اليمين القومي المتشدد؛ فهو يرى أن مرحلة الدولة انتهت، وأن المطلوب الآن تثبيت الوطن التاريخي وفرضه كحقيقة غير قابلة للنقاش.
لكن المفارقة أن هذا التحول يفتح تناقضاً داخلياً عميقاً:
بين الدولة الديمقراطية والدولة الدينية
بين الهوية اليهودية وواقع التعدد السكاني
بين العولمة السياسية والانغلاق القومي

خامساً: الإشكالية الفلسطينية في النسق الجديد

في نسق “ما بعد الدولة”، لم تعد القضية الفلسطينية مجرد نزاع حدودي، بل أصبحت تحدياً وجودياً للنسق الصهيوني ذاته. فوجود شعب فلسطيني متجذر تاريخياً يُبقي الصراع مفتوحاً بين:
حق يستند إلى التاريخ والهوية
قوة تستند إلى الدولة والسيطرة
وهنا تتجلى جدلية الحق والقوة والتاريخ. فالتاريخ لا يُغلق بالقوة، كما أن القوة لا تلغي الحق، بل تؤجله.

خاتمة: هل دخلت الصهيونية زمنها الأخير أم زمن تحولها الأعقد؟
الصهيونية اليوم ليست في لحظة نهاية، بل في لحظة إعادة تعريف. لقد تجاوزت مرحلة “الدولة الناجزة” إلى مرحلة “الوطن المؤدلج” ثم إلى “العولمة الشبكية”. لكنها في كل انتقال تخلق تناقضاتها الداخلية.
ويبقى السؤال الفلسفي الأعمق:
هل يمكن لنسق يقوم على احتكار التاريخ أن يتصالح مع تاريخ آخر؟
وهل يمكن لعولمة تقوم على القوة أن تُنتج سلاماً دائماً دون عدالة؟ ودون قوة تقتل العدالة روحها
إن مستقبل هذا النسق مرهون بقدرته على التحول من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة.
وإلا فإن التاريخ – كما علمنا – لا ينحاز إلى القوة وحدها، بل إلى الحق حين يمتلك وعيه وصبره…وهذا ما يعزز رؤية الفلسطيني وهو صاعد الى الجلجلة.

د. صالح الشقباوي
أستاذ جامعي – محلل سياسي