على مدى عدة عقود، لعبت لوبيات الضغط وجماعات المصالح في واشنطن دوراً حاسماً في التأثير على السياسة الخارجية للولايات المتحدة بما يخدم مصالح إسرائيل. ويُعد مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى (CoP) أحد أبرز هذه الجهات، حيث يجمع تحت مظلته أكثر من 50 منظمة لوبي تمثل مختلف شرائح المجتمع اليهودي الأمريكي وداعمي إسرائيل. يعمل مؤتمر الرؤساء على توحيد الجهود لتعزيز مصالح الجالية اليهودية الأمريكية، وضمان استمرار الدعم القوي لإسرائيل داخل المجتمع الأمريكي وفي اوساط كبار المسؤولين من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، سواء عبر النشاط العلني أو خلف الكواليس.
ويقف عملاق لوبي اسرائيل المعروف بـ لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “ايباك AIPAC” كواحد من أبرز واقوى لوبيات الضغط في طليعة المنظمات الداعمة لاسرائيل، مع قاعدة تناهز الــ 5 ملايين عضو، تركز عملها بين الممرات وداخل اروقة الكونجرس بغرفتيه النواب والشيوخ حيث مركز صنع القرار الامريكي؛ للضغط على المشرعين الامريكيين لسن القوانين وإصدار التشريعات التي تخدم مصالح اسرائيل. من خلال تمويل الحملات الانتخابية من جيوب عميقة بمليارات الدولارات لمؤيدي اسرائيل المرشحين في للمناصب العليا. تتفاخر ايباك على موقعها الرسمي انها دعمت 361 مرشحًا ديمقراطيًا وجمهوريًا -من أصل 435 عضواً، مؤيدًا لإسرائيل في انتخابات عام 2024، وضخت قرابة 100 مليون دولار خلال الحملة الانتخابية لدعم المرشحين المؤيدين لاسرائيل وافشال المرشحين التقدميين المعارضين لها.
بالمقابل، وعلى مدى السنوات الماضية ظهرت لوبيات ضغط من داخل المجتمع اليهودي-الامريكي تعاكس في سياساتها التوجهات السائدة في ايباك ومنظمة الــ CoP، كان من أبرزها نشاطاً منظمة
Street J التي يتزعمها جيرمي بن عامي، ضمت المؤيدين لاسرائيل والسلام؛ ودعت لانهاء الصراع الاسرائيلي الفلسطيني على مبدأ حل الدولتين عبر مسار “تفاوضي يتفق عليه الإسرائيليون والفلسطينيون” باعتباره الممر الوحيد القادر على تلبية الاحتياجات المشروعة والتطلعات الوطنية لكلا الشعبين. هذه المنظمة التي تم تأسيسها بدعم من الرئيس الامريكي السابق باراك اوباما تعرضت لهجمات وتشويشات من قبل لوبيات اسرائيل، وتم رفض قبول عضويتها تحت مظلة الــ Cop بإعتبارها منظمة يسارية تُغرد خارج سرب المصالح الاسرائيلية. وما زالت تعمل ضمن امكانيات ضعيفة وتأثير سياسي محدود.
وسط حالة الاستقطاب الحزبي والسياسي الشديدين السائدة في الساحة الامريكية، وخلال حرب الابادة الجماعية التي شنتها اسرائيل على قطاع غزة بعد احداث 7 اكتوبر 2023، تعالت الانتقادات والاصوات الانسانية الداعية لوقف المذبحة؛ وصل صداها داخل اروقة الكونجرس الامريكي ودفعت عدداً من النواب الديموقراطيون التقدميون -يطلق عليهم مصطلح “الفرقة” “squad”، على رأسهم السيناتور بيرني ساندرز، والنواب رشيدة طليب، الهان عمر، سمر لي وديليا راميريز آخرون؛ للتعبير العلني عن استيائهم الناجم عن الدعم الامريكي اللامحدود لاسرائيل؛ واستمرار تغذية حرب الابادة الجماعية على القطاع، وبدأت الاصوات من داخل الكونجرس تطالب بإعادة التدقيق في العلاقة بين اسرائيل والولايات المتحدة؛ وضرورة وضع شروط على الدعم الامريكي اللامحدود لاسرائيل.
ضمن هذا التوجه، أعلن الديموقراطيون التقدميون عن تشكيل إطار رسمي للعمل على توحيد الجهود وممارسة ضغط مثمر، أطلقوا عليه اسم “لجنة العمل السياسي للسلام والمساءلة والقيادة (PAL PAC). وفقاً للموقع الرسمي لــ PAL PAC فإن جهودهم مكرسة “لبناء عالم يتم فيه احترام حقوق الإنسان والكرامة والقانون الدولي على نطاق عالمي”. وتتمثل الأولوية الرئيسية لـهم وفقاً لبيانهم التأسيسي في “إنهاء انتهاكات إسرائيل المستمرة لحقوق الإنسان ضد الفلسطينيين ووقف تواطؤ الولايات المتحدة ودعمها لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي، والسرقة غير القانونية للأراضي الفلسطينية، والإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين”.
تقول عضو الكونجرس والعضو المؤسس للمنظمة رشيدة طليب “بصفتي الفلسطيني الأمريكي الوحيد الذي يعمل في الكونغرس، كنت شاهداً مباشراً على تواطؤ حكومتنا في الإبادة الجماعية…. وهذا يعني فرض حظر على الأسلحة ووضع حد لتواطؤ الولايات المتحدة ودعمها لحكومة الفصل العنصري الإسرائيلية، وجرائم الحرب المستمرة وانتهاكات حقوق الإنسان”.
ظهور تيار ديموقراطي تقدمي منظم يمتلك هيكل، مرجعية، اهداف واضحة ومصادر تمويل قانونية داخل اروقة الكونجرس يغذي لغة السلام ويواجه الاستبداد التنافسي؛ ربما يمهد الطريق نحو مواجهة و/او خفض سياسات الضغط القصوى التي تمارسها ايباك على اعضاء الكونجرس المنتخبين. وهي في مجملها ظاهرة جيدة يمكن البناء عليها للتأثير على المشرع الامريكي وعلى مستوى الطيف السياسي لنخب واشنطن؛ وربما تمهد لانضمام المزيد من اعضاء الكونجرس من الديموقراطيين والمستقلين، الى جانب النشطاء والمنظمات الحقوقية والانسانية التي تنادي بوقف التواطؤ الامريكي وانهاء الصراع الاسرائيلي الفلسطيني على مبدأ حل الدولتين.
ولكي تتمكن PAL PAC من احداث تغيير فعلي وملموس داخل اروقة الكونجرس الامريكي فهي تحتاج الى مصادر تمويل ثابتة وسخية تمكنها من الانفاق ورعاية الحملات الانتخابية للمرشحين المؤيدين للسلام ولديهم الشجاعة لإحداث تغيير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه الصراع الاسرائيلي-الفلسطيني، لا تقل سخاءً عن مصادر تمويل ايباك وإنفاقها الضخم. في حال تحقق هذا الشرط، يمكن الحديث عن وجود تيار معاكس قادر على مواجهة تأثير ايباك في الكونجرس. أما في حال غياب التمويل الكافي والاقرار القانوني بعمل هذه المنظمة، فإنها قد تواجه مصيرًا مشابهًا لمنظمة J Street، التي لم تتمكن من تحقيق تأثير قوي في ساحة سياسية شبه مغلقة إلى حد كبير، تهيمن عليها ايباك منذ أكثر من سبعة عقود.





