الألم الإنساني: صرخة الوجود ومرآة العدالة المفقودة:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

 

الألم الإنساني، في أفقه الأعمق، ليس شعوراً عابراً أو حالةً انفعالية محصورة، بل هو حدث وجودي، صرخة للكينونة تبرز في مواجهة الضغوط الاجتماعية، وانكشاف هشاشة الإنسان أمام نظم القوة والمكانة والسلطة. فالإنسان حين يعيش ضمن هياكل اجتماعية تضيق عليه أو تقيّد حريته، فإن ألمه لا يظل مجرد إحساس ذاتي، بل يتحول إلى احتجاج صامت على غياب العدالة وانتهاك الكرامة الإنسانية، ليصبح الألم بذلك لغة كونية للظلم، ونذر استباقي للوعي الاجتماعي والنفسي والفكري.
إن الإنسان الذي يُتاح له التعاطف مع الآخرين، ويشعر بآلامهم كما يشعر بآلامه، لا يعيش الألم بوصفه تجربة فردية، بل بوصفه حدثاً أخلاقياً وفكرياً؛ تجربة تمتد من الذات إلى الآخر، من الحس الشخصي إلى التفاعل الاجتماعي، من الفرد إلى الجماعة. وهنا يتحول الألم إلى جسر بين الذات والعالم، إلى مرآة تكشف عن الانتهاكات والخلل البنيوي في النسيج الاجتماعي، وتعلن رفض الإنسان لما يمس كرامة الوجود الإنساني، وتحوّل المعاناة إلى مطالبة صامتة بالعدالة والمساواة.
في ضوء التأمل الفلسفي، يكشف الألم الإنساني عن طبيعة الكينونة الإنسانية وعلاقتها بالآخر. إيمانويل كانط يرى أن الحس بالآخر ومشاركته معاناته يشكّل الأساس الأخلاقي للوجود، وأن التعاطف هو أداة فكرية وأخلاقية تمنح الحياة معنىً أعمق. بينما يرى آرثر شوبنهاور أن الألم جزء جوهري من وجود الإنسان، ناشئ عن الصراع بين الرغبة والواقع، ما يجعل الكائن البشري واعياً لهشاشته وضرورة الآخر في إدراك ذاته. ومن هذا المنظور، يصبح الألم ليس فقط شعوراً بل وعيّاً فلسفياً ومعرفياً، يؤسس لفهم الذات ومكانها في العالم.
على المستوى الاجتماعي، يتجلى الألم الإنساني في الاحتجاجات، والرفض المدني للظلم، وفي صرخات الأفراد والجماعات ضد الفقر والقسوة والتهميش. فهو يتحول من تجربة شخصية إلى حركة احتجاجية جماعية، ومن شعور داخلي إلى أداة للتغيير، فالألم يصبح دافعاً أخلاقياً وسياسياً لإعادة بناء العدالة واستعادة الكرامة المهدورة. وهكذا تتداخل المعاناة الفردية مع مأساة الآخرين، فينسج الإنسان من ألمه خيطاً يربطه بالعالم، ويحول المعاناة الشخصية إلى معرفة حسية ووجدانية، وإلى فعل أخلاقي مؤثر في الوعي الجمعي.
إن الألم الإنساني، إذاً، ليس مجرد إحساس، بل هو لغة الوجود، ومرآة العدالة المفقودة، وأداة المعرفة الأخلاقية. إنه يفتح أمام الإنسان أفق التأمل في ضعفه وقوته، في كيانه وعلاقته بالآخرين، وفي عالم تتقاطع فيه القسوة مع الرحمة، والظلم مع الإنسانية. ومن خلال هذا الألم، يصبح الوعي الإنساني واعياً ليس فقط لمعاناته الذاتية، بل لتجربة العالم بأسره، فيتحول الألم إلى فعل فلسفي وجمالي، وصرخة احتجاجية متجددة، ومرآة تعكس جوهر الإنسان في سعيه المستمر نحو العدالة، والتعاطف، والوجود الكامل.