نتيجةً لتطوّرات العمل السياسي والعسكري والأمني، تلجأ بعض الدول، بما تملكه من عقلية مؤامراتية، إلى صناعة ما بات يُعرَف بالدولة المتجذّرة أو «دولة داخل دولة» (الدولة العميقة – Deep State). وهو مفهوم شائع غير اختصاصي يُستخدم لوصف أجهزة حكم غير منتخبة تتحكّم بمصير الدولة، أو المؤسسات البيروقراطية كمؤسسات الأمن والمخابرات والجيش، فضلًا عن بعض المؤسسات المدنية أو الأحزاب الحاكمة، وذلك بهدف الحفاظ على مصالح الدولة كنظام حكم وسلطة. ويفترض هذا المفهوم أنّ «الدولة العميقة» تتكوّن من عناصر موجودة داخل مفاصل الدولة المدنية والسياسية والعسكرية والإعلامية والأمنية، تعمل صوب أهداف مشتركة، وتمتلك القدرة على التأثير في مؤسسات الدولة الرسمية وتوجيه قراراتها السياسية.
يُعدّ هذا المصطلح من أكثر المصطلحات انتشارًا في هذه المرحلة. والمقصود به سلطة قوية وعميقة تدير تفاصيل القرارات التنفيذية، بل وتتدخل أحيانًا في تشكيل بيئات قانونية وتشريعية، وحتى قضائية، لتكوين شبكة أمان تحمي مجمل رؤاها وتوجّهاتها وسياساتها وغاياتها في مختلف النظم والمجتمعات الواقعية المعاشة، مرورًا بالكيانات ذات الشخصية المعنوية والاعتبارية، وصولًا إلى العالم الافتراضي ووسائله وأدواته التي باتت جزءًا رئيسيًا من الحياة اليومية لسكان كوكبنا الأزرق، الذي أصبح أشبه بقرية كونية.
ما حدث في الخامس من تشرين الأول الجاري، في العالم الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي، عُدّ سابقة غير مسبوقة من حيث شمولية الحدث واتساعه وتأثيراته وتداعياته واستحقاقاته المختلفة. فهو لا يقتصر على كونه عطلًا فنيًا أو تقنيًا أو بشريًا، بقدر ما يشكّل مؤشرات مهمّة يمكن أن تؤسس لسياقات سلوكية مغايرة، ومحاولة لاستقراء ردود فعل البشر الذين يستخدمون تلك التقنيات على كوكبنا. كما يمكن أن يتنامى الأمر ليشكّل بيئات أشد خطورة على المجتمع البشري وطريقة حياته وتواصله وتعاطيه اليومي معها.
فالمشكلة التي حدثت في شركة «فيسبوك» (Facebook)، وما تستحوذ عليه من تطبيقات مثل «واتساب» (WhatsApp) و«إنستغرام» (Instagram) وغيرها، جمّدت وعطّلت اتصالات نحو مليارين وسبعمئة مليون إنسان وكيان على كوكبنا، أي ما يقارب ثلث البشرية، وهو رقم ضخم في حسابات الأعمال والقيم التداولية العملية والفعلية. كما وصلت التقديرات الأولية لخسائر أسهم الشركة إلى نحو 6%، أي ما يوازي تقريبًا سبعة مليارات دولار خسائر لصاحب الشركة، عدا عن خسائر حاملي الأسهم، فضلًا عن السلع والمنتجات المتداولة عبر التطبيقات المختلفة والإعلانات التي تدرّ أموالًا طائلة. كل ذلك حدث خلال ساعات معدودة، ما يطرح أسئلة محورية وأساسية يجب البحث عن إجابات لها دون تأخير.
من حيث المبدأ والمنطق العقلي، لا مفرّ من وقوع بعض الأخطاء الفنية أو التقنية الناجمة عن عمل بشري، أو نتيجة ثغرة طارئة في البرامج والتطبيقات أو خلل في أحد المحرّكات العملاقة، وهو أمر وارد في أي لحظة. إلا أنّه من غير الواضح، بل وغير المقبول، أن تمرّ تلك الأحداث مرورًا عابرًا دون التوقف عندها بجدية، فنوعية العطل كانت مريبة ومثيرة للشك، ولم يُفصَح عن تفاصيلها، وبقيت في إطار بيان مقتضب لا يتناسب مع حجم الكارثة الهائل التي تسبب بها العطل، وكأنه حدث عادي يمكن تجاوزه بلا تدقيق أو مراجعة. في حين أنّ الأمر، واقعيًا، طال مؤسسات ومواقع حساسة لها علاقة بالأمن البشري وضرورياته، ما يثير تساؤلات حول الجهة المسؤولة عمّا جرى، وإمكانية تكراره مستقبلًا، ومن يدير مثل هذه الأحداث على المستويات الاستراتيجية العليا غير المنظورة.
في الفترات السابقة، جرى الكثير من الأحداث المشابهة، لكنها كانت أقل بكثير من مستوى ما حدث في الخامس من تشرين الأول. وكانت التفسيرات تُسند غالبًا إلى «الهاكرز» (Hackers)، بمختلف مشاربهم ودوافعهم ومن يقف وراءهم. أما اليوم، فالموضوع مختلف تمامًا؛ إذ يبدو بحجم مؤسسة تقف خلفها سلطة عميقة، أو «دولة عميقة» (Deep State)، دخلت إلى العمل الافتراضي الدولي بكل جرأة وقوة، وهي تدرك تمامًا ماذا تفعل، وإلى أين تتجه، وما أهدافها الاستراتيجية القريبة والبعيدة. هذه السلطة تدير حروبًا تكنولوجية متعددة الطبقات والمستويات، فضلًا عن الحروب السيبرانية، كما تدير منافسات اقتصادية ضخمة وصلت إلى مستويات صراعات حادة، وإن لم تبلغ حدّ الحروب العسكرية الشاملة. ومع ذلك، فهي أشد قسوة وخطورة نظرًا لاتساع نطاق أضرارها وشموليتها.
إن دخول «الدولة العميقة» إلى العوالم الافتراضية التي يتعاطى معها مليارات البشر يُعدّ مؤشرًا خطيرًا له دلالاته الواضحة. إنه خطر غير مرئي يتعامل مع الواقع عبر أدوات افتراضية شديدة التأثير، كما أشارت إليه مرارًا وسائل الإعلام العالمية. وحجم ما قد يُحدثه من تأثير لا يمكن لمجتمع بعينه تحمّله أو تجاوز تبعاته، فضلًا عن صعوبة تفادي نتائجه إن وقعت.
ما يثير الاستغراب لدى مليارات البشر هو كيفية التعامل مع طبيعة ما جرى؛ فهو ليس بالأمر القليل، إذ أصاب أكثر من ثلث البشرية في صميم علاقاتها وتواصلها ووسائل حياتها اليومية. وفي الوقت نفسه، يجد هؤلاء أنفسهم مكبّلي الأيدي، ينتظرون حلًّا من قلة قليلة من الخبراء والفنيين المتخصصين الذين يملكون مفاتيح التحكم والاستثمار على الصعيد الدولي. وعليه، فإن حجم القلق الناتج عن هذا الواقع يفوق التصور، خاصة إذا ما مست هذه الأعطال — سواء أكانت فنية أم بشرية — البيئات المرتبطة بأمن ومستقبل حياة البشرية جمعاء. إنها ضريبة القرية الكونية التي ما زلنا نتغنّى بها.






