السياسي – مع دخول شهر رمضان المبارك، تُفتّح أبواب الرَحَمات، في حين يُفتح على الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي باب إضافي من أبواب التنكيل والتعذيب والحرمان الذي لا يتوقف على مدار العام، لكنه يتضاعف وتشتد وطأته في شهر الصيام.
وللعام الثالث على التوالي، يحل شهر رمضان على الأسرى وهم يمرون بأوضاع غير مسبوقة، يحرمهم فيها الاحتلال من أبسط حقوقهم في الطعام والشراب وممارسة شعائرهم الدينية.
وخلال سنوات الحرب على غزة، تبدلت أحوال السجون، وقضمت إدارة السجون هوامش الحرية التي انتزعها الأسرى بتضحياتهم على مدار عقود مضت، فبعد أن كان السجن فرصة للأسير ليخلو مع ربه في رمضان فيتقرب إليه بالعبادات، جاءت الاقتحامات المفاجئة لتسلبه تلك الأجواء الروحانية.
الأسير المحرر (ب.أ) من إحدى بلدات شمال الضفة الغربية، الذي اعتُقل قبيل حرب الإبادة وعاش شهري رمضان الأخيرين داخل السجون قبل أن يفرج عنه حديثًا، روى كيف تحولت أوضاع السجون وغابت عنها الأجواء الرمضانية قسراً بفعل سياسات الاحتلال.
ويؤكد الأسير المحرر، أن أوضاع السجون في العامين الأخيرين منذ الحرب لا تختلف بين شهر وآخر، وأن حلول شهر رمضان على الأسرى لم ينعكس تحسناً في أوضاعهم، فهناك سياسة عامة في كل السجون تقوم على التنكيل بالأسرى وتحطيم كل مقدراتهم.
وبين أن الطعام المقدم للأسرى في رمضان شحيح جدًا كسائر شهور السنة، فهو مكوّن من 3 وجبات لا تساوي مجتمعة كمية وجبة واحدة يحتاجها الأسير، ولهذا يلجأ كثير منهم للصوم طوال العام، ويجمعون 3 وجبات ويتناولونها دفعة واحدة.
وإلى جانب شح الطعام، يعاني الأسرى في رمضان من عدم انتظامه، فقد يأتي نهاراً أو في وقت متأخر من الليل، ويقول : “مرت علينا أيام كنا نتناول طعام الإفطار بعد الحادية عشرة ليلاً بسبب اقتحام غرفتنا”.
والاقتحامات المتكررة للأقسام والغرف أسلوب آخر للتنغيص على الأسرى في رمضان، فيعمد عناصر وحدات القمع الإسرائيلية لتحطيم كل ما تقع عليه أعينهم من مكونات الغرفة، ويتلفون الطعام أو يصادرونه، ما يعني خسارة وجبة الإفطار.
ويشير إلى أن الاقتحامات لا تفرق بين ليل أو نهار، ولا بين رمضان أو غيره، ويُمارس فيها أقسى أنواع الإهانة والتعذيب، ويزداد الأمر صعوبة عندما يكون الأسير صائمًا، ويُجبر على الانبطاح أرضًا ويديه للخلف لساعات متواصلة، وهو صائم ومرهق، ودون مراعاة لأسير كبير بالسن أو مريض.
-العبادة بالخفاء
ورغم التضييق وأجواء الخوف، يحرص الأسرى في رمضان على توفير أجواء العبادة، بأداء الصلوات الخمس جماعة إذا كان ذلك ممكنًا، وإلقاء بعض المواعظ حسب ظرف الغرفة، فإذا علمت الإدارة أن هناك من ألقى موعظة، تقتحم الغرفة وتنكل بالأسرى.
ويقول إن الأسرى يحافظون على العبادات، ولو بشكل فردي، من قراءة القرآن الكريم، والتسبيح، وقيام الليل، “فالالتجاء إلى الله هو زادهم الوحيد والمعين لهم داخل السجون”.
ويقول: “طوال الحرب لم نصلِّ الجمعة نهائيًا. كان السجانون يراقبوننا من خلف الشبابيك ويستعدون لقمعنا”.
وأحيانًا يستعيض الأسرى عن الأذان بأن يتطوع أحدهم لإشعار بقية الغرف بوقت الأذان، فينادي عبر الشبّاك أن حان وقت الأذان، ويرفع الأسرى الأذان همسًا داخل الغرف إحياءً لشعائر الله.
كما تتفاوت صلاة الجماعة من سجن لآخر، ويشير إلى أنهم حافظوا في “ريمون” و”نفحة” على صلاة الجماعة، لكن بدون الجهر بالقراءة، تجنبًا للقمع والعقوبة، في حين تمنع صلاة الجماعة بالمطلق في سجن النقب.
ويؤكد الاسير الذي بلغ الستين من عمره وعاش تجربة السجون في سنوات ماضية، أنه لا مقارنة بين رمضان في السنتين الأخيرتين والسنوات السابقة، فقد اختلفت الأمور وانقلبت 180 درجة، حسب وصفه.
ويقول: “لا مقارنة بالطعام أو المعاملة أو الظروف. فلا قانون يضبط السجانين، بل أصبحت القوانين تحت أقدام السجانين”.
ويوضح أن الأسرى اعتادوا -فيما مضى- أن يضعوا برنامجًا خاصًا بشهر رمضان، يحتوي على العبادات والشعائر الفردية والجماعية، والأنشطة الرياضية والثقافية وغيرها، وكل ذلك تبدل الآن ولم يعد ممكنًا مع تشديد قبضة الاحتلال على السجون.
ويشير إلى أن الأسير كان يعيش سابقًا في غرفة يحتفظ فيها بمقتنياته الخاصة ويؤدي شعائره الدينية، لكن اليوم تحولت كل الغرف إلى زنازين لا يملك فيها الأسير إلا ملابسه وكأسه وملعقته، والغرفة التي كانت تتسع لخمسة أسرى أصبحت تستوعب 15 أسيرًا.
ويبلغ عدد الأسرى في سجون الاحتلال أكثر من 9300 أسير، وفقًا للمعطيات المتوفرة لمؤسسات الأسرى حتى بداية فبراير/شباط الجاري، من بينهم 3358 معتقلًا إداريًا، و1249 مصنّفين ضمن فئة “المقاتلين غير الشرعيين”.
وقبل حلول شهر رمضان كان دعاء جميع الأسرى: “اللهم بلغنا رمضان بين أهلينا”، وهي أمنية تحققت لبعضهم دون الغالبية العظمى منهم.







