السياسي – يرى الكاتب الأمريكي توماس فريدمان في مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” أن حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة تتلاعب بإدارة الرئيس دونالد ترامب ويهود أمريكا عبر تضخيم التهديد الإيراني لصرف الأنظار عن سياسات الضم في الضفة الغربية وغزة.
واعتبر فريدمان في هذا المقال أن هذا المسعى الذي تحركه دوافع دينية سيجعل إسرائيل أشبه بجنوب أفريقيا إبان نظام الفصل العنصري، وسيكون له تداعيات خطيرة على المصالح الأمريكية ومصالح وأمن اليهود في جميع أنحاء العالم.
وقال الكاتب إن رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت لخّص ما يحدث في مقال بصحيفة “هآرتس”، عندما أشار إلى “جهود عنيفة وإجرامية تجري حاليا لتطهير الأراضي في الضفة الغربية عرقيًا”.
وأوضح أولمرت أن “عصابات المستوطنين المسلحين يهاجمون الفلسطينيين بكراهية وعنف بهدف واحد: إجبارهم على الفرار من منازلهم. كل هذا على أمل أن تصبح الأرض جاهزة للاستيطان اليهودي، في طريق تحقيق حلم ضم جميع الأراضي”.
وأشار الكاتب إلى أن محاولات إسرائيل المتسارعة لضم الضفة الغربية والبقاء في غزة مع حرمان الفلسطينيين من حقوقهم السياسية، تمثل مغامرة أخلاقية وديموغرافية خطيرة، أشبه بقرار الولايات المتحدة ضم المكسيك.
وأضاف أن استمرار حكومة نتنياهو في هذا النهج سيؤدي إلى انقسام المؤسسات اليهودية في الشتات، ويزيد من نفور الشباب الديمقراطيين والجمهوريين في الولايات المتحدة من إسرائيل، ويضع اليهود أمام واقع جديد، وهو أن يعيش أبناؤهم في عالم تُعامل فيه الدولة اليهودية كدولة منبوذة.
ولفت الكاتب إلى أن استطلاعا جديدا للرأي أجراه معهد مشروع سياسة فهم الشرق الأوسط بالتعاون مع مؤسسة “يوغوف” في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أظهر أن 51 بالمائة من الناخبين الجمهوريين الذين تقل أعمارهم عن 45 عامًا يفضلون دعم مرشح يؤيد تقليص الدعم العسكري لإسرائيل في الانتخابات التمهيدية الرئاسية لعام 2028.
كما أوضح الكاتب أن المرشحين الديمقراطيين الذين لا يصفون حرب إسرائيل في غزة بالإبادة الجماعية باتوا يواجهون اليوم معارضة شديدة من الناخبين الشباب التقدميين.
وقد أشارت النائبة الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، عند سؤالها عن إعادة تقييم الدعم العسكري لإسرائيل، إلى أن المساعدات غير المشروطة لإسرائيل “مكّنت من حدوث إبادة جماعية في غزة”.
وأكد الكاتب أن نتنياهو خدع ترامب واللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن، مستغلا التهديد الإيراني لتشتيت الأنظار عما تثيره سياساته في غزة والضفة الغربية من تهديد لعلاقات أمريكا مع حلفائها الرئيسيين في الشرق الأوسط.
لكن التركيز حصراً على التهديد الخارجي من إيران يتجاهل التهديد الداخلي الذي تُشكّله حكومة نتنياهو على إسرائيل ومكانتها كدولة ديمقراطية تحكمها سيادة القانون، وفقا للكاتب.
فقد انخرط نتنياهو على مدى ثلاث سنوات، حتى خلال حرب غزة، في محاولة تنفيذ انقلاب قضائي من شأنه أن يقضي فعلياً على مبدأ الفصل بين السلطات في إسرائيل، وهو المبدأ الذي يمكّن المحكمة العليا من محاسبة تجاوزات الحزب الحاكم. فهل إيران مسؤولة عن ذلك؟ يتساءل فريدمان.
ويضيف قائلا: “هل انخرطت إيران في جهد دؤوب لتجريد المدعية العامة الشجاعة والمستقلة، غالي بهاراف ميارا، من صلاحياتها؟ نتنياهو فعل ذلك. فهذه المدعية العامة، بدعم من المحكمة العليا، هي الحاجز الوحيد أمام المزيد من الاعتداءات على سيادة القانون”.
وتابع الكاتب متسائلا: “هل عرقلت إيران تشكيل لجنة تحقيق مستقلة في الإخفاق الاستخباراتي والقيادي الفادح الذي سبق هجوم حماس الدموي في 7 تشرين الأول/ أكتوبر؟ كلا، لكن نتنياهو فعل ذلك. لم يحدث هذا الهجوم في عهد نتنياهو فحسب، بل كان من الواضح أنه ناتج جزئيًا عن مساعيه ليثبت أن إسرائيل قادرة على إقامة سلام مع الدول العربية دون إقامة سلام مع الفلسطينيين”.
يرى فريدمان أن إسرائيل تحظى اليوم بالتقدير من جيرانها العرب بسبب الضربات التي وجهتها لإيران وحزب الله وحماس، ولو تفاوض نتنياهو بجدية على حل الدولتين بشروط معقولة لكان ذلك مفتاحًا لتحقيق سلام مع السعودية ولبنان وسوريا والعراق، وعزل إيران تمامًا، وإبرام شراكة مثمرة تجمع بين التكنولوجيا الإسرائيلية وموارد الطاقة العربية.
لكن نتنياهو يفضل الضم على فرص السلام -حسب الكاتب- وهذه النزعة التوسعية تتعارض مع خطة ترامب التي تتصور حلًا على أساس الدولتين، وتتعارض مع رؤية حلفاء أمريكا العرب وتركيا، والذين أصدروا بيانًا يدين بشدة قرار إسرائيل ضم أراضٍ في الضفة الغربية.
ويعتقد الكاتب أن انخراط إسرائيل في سياسات الضم وما تصفه منظمات حقوقية بأنه تطهير عرقي للفلسطينيين، يزيد من تأجيج الصراعات في المنطقة، وهو ما يخدم إيران ويضر بمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
ويختم الكاتب بأن إيران ليست التهديد الأكبر لإسرائيل كدولة ديمقراطية تحكمها سيادة القانون، وليست التهديد الأكبر للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وليست التهديد الأكبر لوحدة وأمن اليهود في جميع أنحاء العالم، وليست السبب الرئيسي وراء تحول إسرائيل إلى دولة فصل عنصري، ليس فقط برفضها السعي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، بل بعملها الدؤوب على جعل ذلك مستحيلاً.
التهديد الأكبر -وفقا للكاتب- هو حكومة المتطرفين القوميين الكارهين للعرب، والمعادين للحداثة، الذين جمعهم بنيامين نتنياهو حوله للحفاظ على موقعه في أعلى هرم السلطة.






