وجع الفقد في رمضان! 

ابراهيم ملحم

وحدها صور الأمهات المفجوعات بفقد فلذات الأكباد، تنبئُ بحجم الوجيعة التي تزلزل قلوب الصابرات المحتسبات؛ فليس ثمة ما هو أشد ألماً من فقد حشاشات الأرواح وثمرات القلوب. فكيف إذا حل هذا الفقد في شهرٍ تجتمع فيه القلوب عند الغروب على صعيد واحد؟ فيغيب عن المائدة مَن كان يبعث الفرح والبهجة في النفوس، ومن كان ينتظر صوت المؤذن ليطفئ جوعه بشربة ماء أو كسرة خبز.

نحيب الأم في وداع طفلها “مهند النجار” (14 عاماً)، الذي قضى في اليوم الأول من رمضان بينما كان يحتطب لتجهيز طعام الإفطار، يهز النفس ويزلزل الوجدان. مهند الذي خرج ليبحث عن حطبٍ يشعل به نار القِدر لعائلته الجائعة، أشعل في قلب أمه ناراً لا تطفئها مياه البحر.

لم يتوقف القتل اليومي وإن تغيرت أشكاله؛ فالموت يسكن في كل زاوية: موتُ مرضى نفد دواؤهم، وجرحى تعطل سفرهم على المعابر المقيدة بـ”سلاسل البطء”، أو بصبّ الحمم على رؤوس النائمين في الخيام، بادعاء اغتيال مطلوبٍ تصادف مروره في المكان. إنها “إبادة على مهل”؛ يمارسها المحتلون بدم بارد، ويصطادون ضحاياهم برصاص القنص كما يصطادون الطرائد، بلا وازعٍ من ضمير أو تحسّبٍ من قانون.

في غزة، لا يُقاس رمضان بعدد ساعات الصيام، بل بعدد الغارات على المنازل والخيام و الرصاصات، التي تنطلق من خلف دشمٍ وخطوطٍ فاقعٍ لونها، تخترق أجساد من يبحثون عن حياة، فيغدو الغروب هناك مرادفاً لغياب الأحبة.

رحل مهند وبقي الحطب يخالطه دمع الوجيعة، وبقيت المائدة تنقصها ضحكته، هدوؤه وصخبه، ليتحول “الغروب” في غزة من لحظةٍ في حضرة السكينة إلى لحظةٍ في حضرة الغياب.