يأتي كتابي هذا وهو الخامس من إصداراتي تحت عنوان «الأيديولوجيا والوعي المطابق» موقفاً فلسفيّاً وفكرياً من الأيديولوجيا كمفهوم ورؤية وممارسة معاً. حاولت أن أقدم فيه طيفاً من القضايا الهامة التي تشغلُ الفكر العربي المعاصر, رغم أن الكتاب قد يبدو للوهلة الأولى عند المتلقي أنه مغرق في القضايا النظريّة الصرفة.
إن اختياري لعنوان الكتاب يشير إلى أن مسألة الأيديولوجيا, تعد من المسائل الفكريّة التي لاقت الكثير من التعقيد والتشابك والتشويش والتجزؤ والتفريغ المتعمد أو غير المتعمد, وذلك لارتباطها، – أي الأيديولوجيا – حسبما أرى، بالوعي عموماً وبالسياسة, فضلا عن ارتباطها بالكثير من العلوم بعد التطور الهائل الذي جرى في العلوم النظريّة والتطبيقيّة.
ورغم ذلك, فأنا أأكد هنا على أن مفهوم الأيديولوجيا سيظل يتضمن في بنيته مجموعة الآراء والأفكار والرؤى السياسيّة والدينيّة والاقتصاديّة والأخلاقيّة والقانونيّة والفنيّة والأدبيّة .. الخ التي تعبر عن واقع أمّة ما أو طبقة ما في مرحلة تاريخيّة محددة.
ففي هذا السياق المتضمن مفهوم الأيديولوجيا. نجد مثلاً أن لبروز ظاهرة الاشتراكيّة بعد انتصار ثورة 1917 تحت شعارات أيديولوجيّة تدعوا إلى تحالف الطبقة العاملة ضد القوى البرجوازية التي وصلت إلى السلطة في أوربا, كما تدعوا إلى التقسيم العادل للثروة الوطنية وتأميم وسائل الإنتاج وغير ذلك, ثم مع صعود نجم الفاشيّة والنازيّة في أوروبا, كانت الأيديولوجيا تحمل شعارات سوقت لها الفاشيّة والنازيّة بشكل خاص تحت ستار القومية الشوفينية (العنصريّة), وهذا ما أعطى اهتماماً كبيراً لمسألة الأيديولوجيا في الغرب الليبرالي, والدور الكبير في ازدياد الاهتمام بمسألة الأيديولوجيا وتوجه العقول المفكرة في أوروبا الرأسماليّة للتساؤل عن سر (استعمار ظاهرة الاعتقاد الجماعي) في منظومات فكريّة كاسحة وذات ملامح سياسيّة؟
كما قمتُ في هذا الكتاب بعد عرضي لمفهوم الأيديولوجيا, باستعراض مفهوم (الوعي المطابق), الذي جاء طرحه كبديل عن الأيديولوجيا على اعتبار أن كل الآراء المتعلقة بالواقع الاجتماعي هي آراء أيديولوجيّة في المحصلة, وبما أن كل أيديولوجيا هي نوع من الوعي الزائف إذا ما انغلقت على نفسها, لكونها تتضمن قدراً من التحريف والتشويه, فهي اذاً عندي ظاهرة نسبيّة في حقيقتها.
من هذه القضية المعرقة, انتقلت إلى الغوص في عدد من قضايا التنوير والنهضة, متوقفاً بالنسبة لقضية التنوير على ما أثاره بعض المفكرين من أن مثل ذلك الحديث يتطلب تحديد نوع الظلام الأيديولوجي الذي نواجهه؟
وبعد أن أشير الى التخلف الذي تعيشه أمتنا العربيّة, أبين أسباب هذا التخلف, وهي التي كانت وراء طرح المشروع النهضوي التنويري العربي في اتجاهيه المادي والفكري معا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
أما المهمة الرئيسة التي شكلت محور الاهتمام النهضوي عندي, فهي التغلب على التخلف الذي خلفته الدولة العثمانيّة الإقطاعيّة في فترة احتلالها لعالمنا العربي, وكسب الاستقلال القومي، ونظراً لغياب جملة الشروط الموضوعيّة والذاتيّة القادرة على تحقيق هذا المشروع, ويأتي في مقدمة هذا الغياب الحامل الاجتماعي, الأمر الذي أعطى دوراً للنخب المثقفة في حمل هذا المشروع وأعبائه. غير أن الخطاب التنويري الذي طرحته هذه النخب المتنورة العربيّة لم يستطع أن يؤسس لقيام ثورة حقيقيّة، أي نهضة عربيّة تتجاوز فيها الامّة كل أشكال الظلام الذي فرضته الدولة العثمانيّة عليها عبر أربعة قرون. وهذا يعود الى عدم توافر الشروط الحقيقيّة الموضوعيّة للثورة/ النهضة، وذلك بسبب حالة الخلل القائم ما بين الفكر التنويري المطروح في صيغته الليبراليّة, والواقع المتخلف في علاقاته شبه الإقطاعيّة.
وبناءً على ذلك قمت بطرح بعض القضايا التي تدخل في صلب إشكاليّة نهضة الأمّة العربيّة مثل: «الأمة ووعي الذات» ومن خلالها تبين لي أن ما تعانيه أمتنا العربيّة الآن من تخلف وتبعية وتجزئة يدفعنا للتساؤل عن أسباب هذا التردي من جهة، مثلما يدفعنا للتساؤل عن الوضعية التاريخيّة الراهنة لمقومات القوميّة من جهة ثانية, وبالتالي عن درجة وعي الأمّة العربيّة لذاتها من جهة ثالثة، وما هي الآفاق المستقبلية لهذا الوعي في مضمار التحولات العالميّة الجديدة ونظام العولمة؟.. الخ .
وبعد استعراضي لحال العرب في ظل الخلافة الإسلاميّة, وفي ظل الدولة العثمانيّة المليّة، توصلت الى نتيجة أنصفت فيها المتنورين العرب النهضويين في القرن التاسع عشر، معتبرا أن ما قام به هؤلاء من تحريض فكري لتأكيد الذات العربيّة المضطهدة والمستلبة في ظل الدولة العثمانيّة, ثم الاختراق الغربي لاحقاً لدولنا العربيّة بنيويّاً مع كل حالات الحصار الموضوعيّة والذاتيّة التي فرضت على دولنا وشعوبنا العربيّة، إلا أن تلك العمليّة استطاعت أن تدفع الوعي القومي العربي أشواطا بعيدة إلى الأمام.
وجرياً وراء سؤال النهضة الذي شغل ويشغل الباحثين والمفكرين النهضويين العرب منذ أكثر من قرن، أجد أن الإجابة عن أسئلة النهضة, ليست سهلةً خاصة في ظل الظروف الدوليّة الجديدة التي يمر بها العالم والأمّة العربيّة على السواء, وبخاصة تحت مظلة النظام العالمي الجديد المتوحش. فالأمّة العربيّة تتعرض اليوم في ظل النظام العالمي الجديد الى حالة من الهيكلة بطريقة تتناسب مع حركة رأس المال المالي الاحتكاري العالمي.
وبناءً على ذلك فإن إعادة الهيكلة للعالم العربي في مضمار النظام العالمي الجديد, تهدف إلى إلغاء مقومات وجود الأمّة العربيّة عبر اختراق قيمها ليس الماديّة فحسب, بل والمعنويّة أيضا مركزة في هذا الاتجاه على قيمها الأخلاقيّة وعاداتها وسلوكياتها لتسييد نمط آخر من القيم والعادات هو نمط المجتمع الاستهلاكي.
إن النظام العالمي الجديد يريد عمليّا إلغاء مقومات الأمم الأخرى أي إلغاء السمات والخصائص التي تميز عمليّا كل أمّة عن غيرها. وفرض «كوزموبوليتية» جديدة. (أي نظام عالمي جديد)، منطلقاً من أن مسألة (السوق الشرق أوسطيّة) تأتي الآن في مقدمة التدابير العمليّة التي ينتهجها الغرب عموما وأميركا والصهيونيّة على وجه الخصوص, من أجل محو فكرة القوميّة العربيّة في إطارها الجغرافي من ذاكرة الوطن, وترسيخ فكرة جيواقتصاديّة أو جيوسياسيّة بدلاً عنها.
إن ما تمارسه أميركا والغرب عبر الثورة التكنولوجيّة المعلوماتيّة من تسويق لبرامج ثقافيّة تحمل في مضامينها قيماً وأخلاقاً وسلوكيات تركز على تذرير المجتمع, والحريّة الفرديّة وتسويق فكرة موت القيم.. الخ, ما هي الا تكملة للمشروع «الكوزموبوليتي» الجديد بنموذجه الأميركي الغربي الاستهلاكي. ورغم ذلك, فإن النتيجة التي توصلت إليها, هي ضرورة التسلح بما ذهب اليه ابن خلدون في قوله «تتحدد أحوال الناس بتحديد نحلتهم من المعاش».. وهذه المقولة تفرض علينا تغيير واقعنا لتغير أحوالنا, أي يجب علينا أن لا نستسلم أمام تحديات الواقع المرير الذي نعيشه، بل علينا أن نقوم بمعاندته دائما من أجل أن نتغلب عليه، بيد أن هذه المعاندة لا تعني أن نقوم بليّ عنق التاريخ وقسره بالطريقة (سرير بروكوست), وإنما المقصود بالمعاندة هنا أن نقوم باكتشاف قوانين الواقع والتسلح بمعرفتها، وبالتالي تسيير التاريخ وفقا لآليته مدفوعاً بإرادة الإنسان وتفكيره.
وفي السياق العام لبنية الكتاب, قمت بتناول موضوعاً على درجة عالية من الأهميّة وهو بعنوان: «غزو ثقافي أم حوار ثقافات» مبيناً الجدل الذي دار حول هذه القضية منتهيا الى التأكيد على أن الأمر لا يمكن أن يصل الى حد المطالبة بعدم أو إقصاء ثقافتنا بكل ما فيها، أو أن يتم إحلالها بالثقافات الأخرى. وإنما كل ما نريده, هو كيف نستطيع ان نتكئ على الجوانب العقلانيّة في ثقافتنا أولا, ثم كيف نستطيع أن نتفاعل ثقافيّا مع الحضارات الأخرى الأقوى من حضارتنا الآن, دون أن نخسر ذاتنا ثانيا, هذا مع إدراكنا العميق بأنه ليس من الممكن محاكاة حضارة أو مدنيّة في مظاهرها الخارجيّة دون أن يتم التأثير والتأثر في الوقت نفسه بروحها أو جوهرها.
هذا وقد تطرقت إلى قضية أخرى لها من الأهميّة أيضاً وهي مسألة «الدين بين العقيدة والأيديولوجيا». ففي هذا السياق استعرضت قضية ما يسمى (التفسير الأيديولوجي وحاكميّة النص)، معتبراً أن ما أصفه بالموقف الأيديولوجي, يعمل على عدم السماح بالخلاف في التفسير أو التأويل إلا في الفروع, وفي حدود الترجيح بين أراء القدماء للاختيار منها ما يناسب الحدوث – الجديد الطارئ – على اعتبار أنه لا اجتهاد في موضع النص، وهنا أقر بأن الاجتهاد يكون محكوماً بالضرورة بأطر لا تمت الى الحياة والواقع بصلة رغم تغير الواقع وتبدله باستمرار.
وفي الأخير أصل الى القول بأن رفض تاريخيّة الواقع, أي حركته وتطوره وتبدله وفق هذا الموقف الايديولوجي, يعني الإقرار بأن مفهوم الخلاص عند القوى الأصوليّة الجموديّة, هو العودة دائما الى الوراء, الى الماضي إن كان كمنطلق نحو الحاضر أو كأصول تمثل برمتها التقدم عندهم.. وهذه هي البيئة الفكريّة التي تنطلق منها الأصوليّة أيديولجياً. وهذا يتطلب منا بالضرورة الالتزام بالموقف العقلاني من الدين، وتأكيد سلطة العقل على النقل، هذه السلطة التي تأسس عليها الوحي ذاته. بيد أن هذا العقل ليس هو العقل بكونه آليّة ذهنيّة صوريّة, بل بما هو فعاليّة اجتماعيّة تاريخيّة متحركة.
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.
إصدار دار التكوين دمشق – 2006











