غزة تستقبل رمضان… فرح تحت عنوان البؤس!

م. محمد ابو حمدي

في اليوم الأول من شهر رمضان، لم تكن خيام النازحين في كل مناطق قطاع غزة من شمالها الى جنوبها، مجرد مأوى مؤقت من ركام البيوت، بل تحوّلت إلى مساحات حياة تُقاوم الانكسار. هناك، تحت أقمشة مهترئة مكتوب عليها “عنوان البؤس”، أضاء الناس قناديل من علب الكولا الفارغة ومعلبات الطعام، وعلّقوا فوانيس صغيرة صنعها الأطفال بأيديهم المرتجفة، ليقولوا إن الفرح يمكن أن يولد حتى من قلب الرماد.

على أطراف المخيمات، اجتمع عشرات النازحين حول موائد سحور جماعية متواضعة. خبز بسيط، تمر، وشاي ساخن… لكن الأهم كان اللمة. تبادلوا الدعوات، وابتسموا رغم الغصة. في خيمة أخرى، كانت رائحة القطايف تملأ المكان، عجينة خفيفة تُقلى على صاج بسيط، تحشى بما توفر من التمر أو مكسرات أو قشطة بديلة. لم تكن الحلوى فاخرة، لكنها كانت إعلانا بأن رمضان ما زال حاضرا، وأن الطقوس لا تموت.

وبعد أن أعلنت فلسطين أمس عن شهر رمضان ورؤية الخلال، ومع أذان العشاء، اصطف الرجال والنساء والأطفال لأداء صلاة التراويح في ساحات ضيقة بين الخيام. لا مآذن شاهقة ولا مساجد عامرة، لكن الصفوف كانت متراصة، والدموع حاضرة. في كل ركعة، تختلط الرجاء بالألم، رجاء أن يحمل الشهر فرجا، وألم على بيوت تهدمت وأحبة غابوا.

الأطفال كانوا الأكثر إصرارا على صناعة الفرح، جمعوا العلب المعدنية، قصّوها وثقبوها، وضعوا بداخلها شموعا صغيرة، ورفعوها كفوانيس بدائية تتلألأ في العتمة. بعضهم رسم هلالا ونجمة على قطعة كرتون، وآخرون زينوا خيامهم بخيوط بلاستيكية ملونة. ضحكاتهم، وإن بدت خافتة، كانت أقوى من صدى الدمار المحيط.

أما الأمهات فحاولن حماية ذاكرة رمضان في قلوب صغارهن، سردن حكايات عن ليال كانت تُضاء بالأنوار وتقام فيها الولائم. الآباء بدورهم سعوا إلى أن يظهروا ثباتا، يخفون القلق خلف ابتسامة، ويعدون أبناءهم بأن القادم أفضل…”رمضان كريم” لم تكن عبارة عابرة، بل كانت وعدا بالصبر.

في غزة، الفرح ليس إنكارا للوجع، بل طريقة لمواجهته، هو فعل مقاومة يومي: أن تُزين خيمتك رغم الخراب، أن تُقيم سحورا جماعيا رغم شح الموارد، أن تُصلي التراويح في العراء وتدعو للحياة.. هكذا يبدأ الشهر في القطاع، فرح ممزوج بالألم ورائحة الموت، وأمل يتشبث بخيط رفيع من الضوء.

رمضان في قطاع غزة المدمر والمحاصر ليس فقط طقسا دينيا، بل رسالة بقاء: أننا، رغم كل شيء، ما زلنا نُحب الحياة… ونصنع منها ما نستطيع من نور.