في كل عام، يطلّ شهر رمضان على الأمة الإسلامية حاملاً معه معاني الطمأنينة والتكافل والتقوى، غير أنّه في فلسطين يجيء مثقلاً بجراح مفتوحة، وأسئلة معلّقة بين سماء تتلبّد بالطائرات وأرضٍ أنهكها الحصار. هنا، لا يشبه رمضان سواه؛ إذ تختلط فيه رائحة الخبز الساخن برائحة الركام، وتتجاور موائد الإفطار مع صور الشهداء، ويصبح الدعاء في صلاة التراويح صلاةً من أجل البقاء قبل أن يكون رجاءً في المغفرة.
في قطاع قطاع غزة، يتقاطع الشهر الفضيل مع واقع حصار طويل ألقى بظلاله على تفاصيل الحياة اليومية. الأسر التي كانت تتهيأ لاستقبال رمضان بتزيين البيوت وشراء احتياجات الشهر، تجد نفسها اليوم منشغلة بتأمين الحد الأدنى من الغذاء والماء والكهرباء. انقطاع التيار لساعات طويلة يحرم العائلات من أجواء السهر الرمضاني، ويحوّل تحضير وجبة الإفطار إلى سباق مع الزمن. أما الأسواق، التي يفترض أن تضج بالحياة قبيل المغرب، فتبدو مثقلة بارتفاع الأسعار وشحّ السلع، فيما تقف العائلات محدودة الدخل عاجزة أمام تكاليف باتت تتجاوز قدرتها بكثير.
المشهد في الضفة الغربية ليس أقل قسوة، وإن اختلفت التفاصيل. في الضفة الغربية، تتكرر الحواجز العسكرية التي تقطّع أوصال المدن والقرى، فيتحول الوصول إلى العمل أو المسجد أو حتى بيت الأقارب إلى رحلة شاقة. ومع حلول رمضان، تتضاعف المعاناة حين يُحرم كثيرون من الوصول إلى المسجد الأقصى للصلاة، بفعل القيود الأمنية المشددة. آلاف الفلسطينيين الذين ينتظرون الشهر الكريم ليؤدوا صلاة التراويح في باحات الأقصى، يجدون أنفسهم أمام تصاريح معقدة أو منعٍ تام، فيتبدد حلم روحيّ طال انتظاره.
رمضان في فلسطين ليس مجرد زمن ديني؛ إنه اختبار يوميّ للكرامة الإنسانية. فالأسر التي فقدت منازلها جرّاء العمليات العسكرية تعيش الشهر في مراكز إيواء مؤقتة أو بين أنقاض بيوت لم تعد تصلح للسكن. في هذه الظروف، تتحول موائد الإفطار إلى مبادرات تضامن مجتمعي، حيث تتكفل الجمعيات الخيرية والمتطوعون بتوزيع وجبات جاهزة أو سلال غذائية. غير أن الحاجة تفوق الإمكانات، والموارد المحدودة تعجز عن تغطية الأعداد المتزايدة من المتضررين.
الطفل الفلسطيني، الذي يُفترض أن يرتبط رمضان في ذاكرته بالفوانيس والحلوى وأصوات المدفع عند الغروب، يعيش تجربة مختلفة. أصوات الانفجارات قد تختلط بأذان المغرب، وصفارات الإنذار قد تقطع خشوع صلاة التراويح. الخوف الذي يسكن العيون الصغيرة لا يزول بسهولة، حتى في لحظات الإفطار. ومع ذلك، يصرّ الأطفال على التمسك ببعض الطقوس البسيطة؛ فانوس مصنوع من ورق، أو قطعة حلوى يتقاسمونها بفرح عابر، كأنهم يعلنون تحدّيهم للواقع القاسي.
المرأة الفلسطينية تتحمل عبئاً مضاعفاً في هذا الشهر. فهي المسؤولة عن تدبير شؤون البيت في ظل شحّ الموارد، وعن توفير ما تيسّر من طعام، وعن احتواء مخاوف الأطفال، بل وعن مساندة الجرحى أحياناً. في بيوت كثيرة، تتولى النساء دور المعيل بعد فقدان الزوج أو اعتقاله، فيتحول رمضان إلى مساحة من الصبر العمليّ لا الخطابيّ. ورغم كل ذلك، تحرص كثيرات على إعداد أطباق تقليدية، ولو بأبسط المكونات، حفاظاً على ذاكرة جماعية ترى في الطعام جزءاً من الهوية.
ولا يمكن الحديث عن معاناة رمضان في فلسطين دون التوقف عند معاناة الأسرى في السجون الإسرائيلية. هؤلاء يعيشون الشهر بعيداً عن عائلاتهم، محرومين من دفء البيت ومن صوت المؤذن في الحيّ القديم. وجبات الإفطار والسحور في السجن تخضع لقيود صارمة، وغالباً ما تفتقر إلى الحد الأدنى من التنوع أو الكفاية. ومع ذلك، يصرّ الأسرى على إحياء الشهر بما تيسّر من عبادة وقراءة قرآن، في محاولة للحفاظ على إنسانيتهم داخل فضاءٍ صُمم لكسرها.
اقتصادياً، يتضاعف العبء في رمضان. فالأسعار ترتفع في ظل نقص المعروض، وفرص العمل تتقلص بفعل الإغلاق والحصار. كثير من العمال الذين كانوا يعتمدون على العمل داخل الخط الأخضر يُمنعون من الوصول إلى أماكن عملهم، ما ينعكس مباشرة على قدرة أسرهم على تأمين احتياجات الشهر. في المقابل، تتزايد مبادرات التكافل المحلي، حيث تتشارك العائلات ما تملك، ويُقسَّم القليل بين كثيرين، في مشهد يختصر فلسفة الصمود الفلسطيني.
أما على الصعيد النفسي، فإن تكرار الأزمات خلال شهر يفترض أن يكون شهر سلام داخلي يترك أثراً عميقاً. الإحساس بعدم الأمان، وفقدان الأحبة، والخشية من التصعيد المفاجئ، كلها عوامل تجعل من رمضان زمناً مشوباً بالقلق. ومع ذلك، يظل الإيمان عاملاً حاسماً في قدرة المجتمع على التحمل. فالمساجد، حين تفتح أبوابها، تمتلئ بالمصلين الذين يجدون في الصلاة الجماعية سنداً معنوياً، وفي الدعاء مساحة للتنفيس عن الألم.
القدس، بما تحمله من رمزية دينية وسياسية، تتحول في رمضان إلى بؤرة توتر مضاعف. القيود المفروضة على الدخول إلى البلدة القديمة، والمواجهات التي قد تندلع في محيط الأقصى، تجعل من كل ليلة رمضانية احتمالاً مفتوحاً على التصعيد. ومع ذلك، يصرّ المقدسيون على الحفاظ على طقوسهم، من موائد الإفطار الجماعية في الأزقة، إلى السهر في الساحات، وكأنهم يقولون إن الروح الجمعية أقوى من القيود.
ورغم كل هذه التحديات، يظل رمضان في فلسطين موسماً لإعادة إنتاج الأمل. المبادرات الشبابية لتنظيف الشوارع المتضررة، وتنظيم إفطارات جماعية، وتوزيع الماء والتمر على الصائمين عند الحواجز، تعكس قدرة المجتمع على تحويل الألم إلى فعل إيجابي. هذا البعد التضامني لا يخفف المعاناة بالكامل، لكنه يمنحها معنى، ويحوّل الشهر من مجرد زمن انتظار إلى مساحة مقاومة سلمية يومية.
إن معاناة الفلسطينيين في رمضان ليست قدراً طبيعياً، بل نتيجة سياق سياسي وأمني معقد طال أمده. ومع كل عام يمر، تتجدد الأسئلة حول مسؤولية المجتمع الدولي في حماية المدنيين وضمان حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية بحرية وأمان. فحرمان الناس من الوصول إلى أماكن عبادتهم، أو من تأمين غذائهم الأساسي، أو من العيش في بيوت آمنة، يتناقض مع أبسط مبادئ الكرامة الإنسانية.
ومع ذلك، يبقى المشهد الفلسطيني في رمضان مشهداً مركباً: ألمٌ عميق يقابله إصرار لا ينكسر، فقرٌ مادي يقابله غنى روحي، حصارٌ مادي تقابله مساحات داخلية من الحرية. في البيوت التي تهدمت جدرانها، تُضاء شمعة صغيرة عند أذان المغرب؛ وفي الأزقة الضيقة، يُرفع الأذان عالياً رغم كل شيء؛ وفي القلوب، يُختزن يقين بأن الليل مهما طال، يعقبه فجر.
هكذا يمضي رمضان في فلسطين، بين الركام والرجاء. شهرٌ لا يخلو من الدموع، لكنه أيضاً لا يخلو من الابتسامات العابرة التي تُنتزع من قلب المعاناة. وبينما ينشغل العالم بطقوسه الرمضانية المعتادة، يكتب الفلسطينيون فصلاً آخر من حكايتهم مع الصبر، حيث يصبح الصوم أكثر من امتناع عن الطعام والشراب؛ يصبح صوماً عن اليأس، وتمسكاً بالحياة في وجه واقعٍ قاسٍ. وفي هذا المعنى، يتحول رمضان من شهرٍ للعبادة فحسب، إلى شهادة حيّة على قدرة الإنسان الفلسطيني على البقاء، وعلى تحويل الألم إلى طاقة صمود، والحرمان إلى معنى، والانتظار إلى أملٍ لا ينطفئ.





