ماذا تفعل السلطة إزاء خطوات تقويض حكمها ؟

عصري فياض

بالرغم من أن اتفاقيـــــــة أوسلــو لم تسقط رسميـــا لغاية الان،وبالرغم من تشبث السلطــة بها،والإبقـــاء علــى ” شعرة معاوية ” فيها،وهو “التنسيق الأمني” السائر بالاتجاه الواحد،وبالرغم من تسارع الخطوات الحثيثة للضم التدريجي الفعلي للضفة الفلسطينية من قبل حومة الاحتلال،ناسفة بذلك ما يلتقي عليه قسم كاسح من المجتمع الدولي في ما يسمى ” حل الدولتين ” كحل لقضية الشرق الأوسط،الا ان السلطة وبالرغم من الضغوطات التي تتعرض لها من قبل الحكومة الإسرائيلية المتطرفة،لا تقوم بردود فعل توازي حجم التهويد والحصار والاعتداءات والتمهيد لسياسة التطهير العرقي،او إجراءات مطلوبة ردا على هذه السياسات والإجراءات الاسرائيلية المدعومة والمباركة أمريكيا،وموقفها اقرب الى الصمت منه لاعلاء الصوت،ربما يصدر موقف شاجب هنا،أو موقف مستنكر هناك،لكن وجود ردود فعل دبلوماسية على الساحة الخارجية شبه غائب،كذلك اتخاذ إجراءات داخلية لمقاومة هذه الإجراءات على ارض الواقع أيضا مُغيَّب،وما يجري من احتكاكات او مواجهات بين أبناء الشعب الفلسطيني من جهة والمستوطنون والجيش المحتل من جهة أخرى في الضفة عادة ما يكون موضعيا يتفاعل في المنطقة التي يقع فيها الاعتداء،وبالتالي هذا الامر يعد ايسر للجانب المعتدي،فضلا ان ميزانية السلطة قلما تقوم بتعويض المواطن الفلسطيني الذي يفقد ارضه ومصدر رزقه أو تعرض للاذى،نظرا للواقع الاقتصادي القاسي الناجم عن الحصار الاقتصادي الذي تمارسه إسرائيل والمتمثل في حجز أموال المقاصة منذ اكثر من سبعة اشهر،وهي الالية التي جاءت في برتوكول باريس الاقتصادي المحلق باتفاقية أوسلو والذي جعل مردود الضرائب من المستوردات للأراضي الفلسطينية عبر إسرائيل تخنقه وقت تشاء،وبالتالي تتمكن في التحكم بتلك العوائد التي تعتبر هي الركيزة الأولى لعوائد السلطة ونفقاتها،بل تقضم منها ما تريد في سرقة واضحة بمبررات واهية.
ولعل قائل يقول ان السلطة لطالما دعت للمقاومة الشعبية السلمية لمواجهة هذه الحالة،ولكن هذه الدعوة لم تنفذ بشكل منظم وبالزخم المطلوب،أقول إن عوامل كثيرة افشلت لغاية الان تلك الدعوة لأسباب كثيرة أهمها أن الوعي للمواطن الفلسطيني في غالبة يدرك أن التعامل الشعبي السلمي مع مثل هذا الاحتلال وما يمارسة من بطش ووحشية لا يجدي معه النضال السلمي فقط،لامرين:
أولا :هذا النوع من النضالات استخدم في الانتفاضة الأولى التي مر عليها اكثر من ثلاثين عاما،كانت وقتها الظروف مآتية للخروج بنتائج افضل من أوسلو،لكن حجم تلك التضحيات وضع في ميزان مائل واهم ،وعد بحل وإقامة الدولة في نهاية حكم ذاتي موسع، كانت تلك مراهنة غير محسوبة،النتيجة هنا ان المجتمع الإسرائيلي اصبح الان اشد تطرفا وبشطا ورفضا لاي حق من حقوق الشعب الفلسطيني،وبالتالي لم يعد يؤمن بالحلول السلمية او التسويات،مع غياب أيّ ضغط دولي عليه بفضل الدعم الأمريكي والغربي له.
الامر الثاني: الخطر على الكيان الفلسطيني المهلهل وجودي،يصل الى ابعد حد متوقع من شطب القضية شطبا نهائيا،وهو التهجير وتفريغ الأرض من أصحابها الأصليين،وهذا التوجه يجد في المظلة الامريكية الداعمة له افضل فرصة مواتية،وبالتالي مشروع المقاومة الشعبية السلمية مع هذا المحتل سقط،ولم يعد فاعلا…
اما الدبلوماسية الفلسطينية فهي رغم عدالة القضية على مستوى دول العالم وشعوب وأمم الأرض إلا أن الدبلوماسية الفلسطينية لا تعمل بالشكل المطلوب لنشر الرواية،وحصد التاييد،وتوظيف هذه العدالة في تكوين الحشود الداعمة لقضية شعب فلسطين،وما جرى في ساحات العالم والدول والشعوب خاصة الغربية خلال عدوان إسرائيل على غزة كان بالدرجة الأولى لبشاعة المشاهد التي نقلتها كاميرات الصحفيين للعالم،ولم يكن سببها الدبلوماسية “الفذة” التي تمارسها أكثر من مئة سفارة فلسطينية في العالم،والتي تستهلك شهريا من يقارب نحو 198 مليون شيكل (61 مليون دولار) رواتب ونثريات ومنصرفات من ميزانية السلطة التي تتعثر ولا تستطيع دفع كامل رواتب الموظفين في المناطق الفلسطينية التي تحكمها.
إن ردود الفعل الفلسطينية الرسمية ضعيفة،وعمل الدبلوماسية الفلسطينية على مستوى العالم خجول،واكثر ميلا للخمول والتقصير،وحتى تحقيق الوحدة الفلسطينية والإبقاء على حالة الانقسام أمر تتعايش معه السلطة،وكانها تنتظر نتائج العدوان على غزة التي قد تقود واقع يمكن ان يؤدي الى تحقيق بعض الأهداف في مجال بسط سيطرة السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية ولو بقبضة ضعيفة على المناطق الفلسطينية في الضفة والقطاع يحقق لها الوحدة الوطنية التي يجعلها تتفرد بحكم الشعب الفلسطيني دون تقديم أي تنازل لقوى المعارضة،وهذا يُشْتَمْ من قوانين الانتخابات المحلية والتشريعية والرئاسية التي تنوي السلطة العمل بها والتي تشير بشكل واضح انه لا يمكن السماح لمن لا يؤيد منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد، ولا يوافق على والتزاماتها الدولية (الاتفاقيات الموقعة ومنها الاعتراف بإسرائيل) بالترشح او التصويت،سواء كان حزبا او جهة او فردا،وهذا يحمل مدلولات كثيرة لعل أهمها ان تجري الانتخابات بين اطار تنظيم فتح والفصائل الصغرى والمستقلين الذين لا يعارضون سياسة واتفاقيات السلطة والمنظمة.
أضف الى ذلك الحالة الاقتصادية السيئة والصعبة التي يعيشها المواطن الفلسطيني في الضفة فضلا عن القطاع نظرا للحصار وعدم تمكن السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية في تأمين شبكة أمان مالي من الدول العربية والصديقة لتمكين المواطن الفلسطيني في ارضه،وترك المجال لمطالب الهبات الأوروبية والغربية المشروطة التي تنال من الثقافة الوطنية والهوية والمحتوى التربوي التعليمي والحالة الاجتماعية والقيم الوطنية من خلال قطع رواتب معظم الشهداء والأسرى والجرحى تلبية لتلك المطالب القادمة من الجانب الإسرائيلي بلسان أوروبي غربي.
والخلاصة أن الصمت أو شبه الصمت الذي تتبناه السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية تجاه ما يجري يصب في خانة انتظار ما تسفر عنه الاحداث والتطورات،سواء محليا او إقليميا او دوليا،غير ابه بشكل جديّ بخطورة الإجراءات والممارسات الإسرائيلية،أو لعلها قد رمت بهذا الملف بين يديّ السعودية ومصر وقطر وتركيا والعالم بعد أن شعرت انه لم يعد لها حولا ولا قوة،وان الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية والذي جاء مؤخرا من دول كثيرة أهمها دول وازنة مثل فرنسا وبريطانيا وكند قد جاء في الوقت الضائع، ولم يستطع تغيير الواقع او الحد من تدهوره هبوطا الى المجهول.