هناك اتفاق بين طهران وواشنطن سيجبر إسرائيل على قبول حل الدولتين وترسيم حدودها الجغرافية
Mahmoud Abbas
Donald Trump
Ruhollah Khomeini
سيدي الرئيس،
في لحظات التحوّل الكبرى لا يُقرأ التاريخ من سطحه، بل من طبقاته العميقة. وما يبدو اليوم تصعيداً لفظياً بين واشنطن وطهران، وحشداً عسكرياً أميركياً معلناً، ليس إلا جزءاً من مشهد مزدوج: خطاب فوق الطاولة يضجّ بالتهديد، وتفاهم تحت الطاولة يعيد رسم الخرائط الاستراتيجية للمنطقة.
إن فلسفة الصراع لا تُختزل في الضجيج الإعلامي، بل في حركة المصالح. والولايات المتحدة، في ظل دبلوماسية Donald Trump، لا تتحرك بمنطق أيديولوجي صرف، بل بمنطق رجل الأعمال الذي يبحث عن صفقة كبرى. صفقة تدرّ تريليونات الدولارات، وتعيد ترتيب الأسواق، وتفتح أمام رأس المال الأميركي فضاءات جديدة.
وفي المقابل، فإن إيران لا تتحرك بدافع الخطابة الثورية وحدها، بل بمنطق الدولة التي تسعى إلى فك الحصار، تحرير أموالها المجمّدة، والانخراط في منظومة أمن إقليمي جديدة، بشراكات عربية وإسرائيلية، لا تُقصي أحداً بل تعيد توزيع الأدوار.
ما فوق الطاولة… وما تحتها
التصعيد العلني بين واشنطن وطهران يخدم وظيفة تفاوضية. لكن إرسال خبراء وتقنيين إلى جنيف لصياغة الترتيبات الفنية، يؤكد أن ثمة تقدماً جوهرياً في رسم الخطوط الاستراتيجية. إننا أمام لحظة انتقال من منطق “العدو المطلق” إلى منطق “الخصم القابل للتسوية”.
وإذا صحت المؤشرات حول توجه استثمارات أميركية ضخمة في إيران قد تصل إلى 4–6 تريليونات دولار، فإن ذلك يتجاوز بأضعاف ما جُمع من الخليج في صفقات سابقة، ما يفسر حالة الهلع الإسرائيلي. فإسرائيل تدرك أن تحوّل إيران من خصم عسكري إلى شريك اقتصادي استراتيجي لواشنطن يعني سقوط احتكارها لوظيفة “الحارس الوحيد” للمصالح الغربية في المنطقة.
التحول التاريخي في الوظيفة
تاريخياً، تقاسمت إسرائيل وإيران الشاه وظيفة حماية المصالح الغربية. لكن بعد انتصار ثورة Ruhollah Khomeini، انقلبت المعادلة، وتحولت إيران إلى موقع مناهض للسياسات الأميركية، فيما انفردت إسرائيل بالدور الوظيفي.
اليوم، إذا عادت إيران إلى طاولة التفاهم مع واشنطن، فإن ذلك لا يعيد إنتاج الماضي، بل يؤسس لتوازن جديد يُفقد إسرائيل احتكارها الاستراتيجي.
ومن هنا نفهم استعجالها في تغيير الوقائع على الأرض، عبر تسريع ضم أجزاء من الضفة الغربية، ومحاولة تقليص الحيز الفلسطيني من 22% إلى 16% من أرض فلسطين التاريخية المحتلة عام 1967. إنها محاولة استباقية لإعادة رسم الجغرافيا قبل أن يُفرض عليها ترسيم نهائي للحدود.
تبدل موازين القوة
المعادلة العسكرية لم تعد كما كانت. دخول التكنولوجيا الروسية والصينية في موازين الردع، وقدرة التقنيات الصينية على كشف آلاف أجهزة الاتصال الحديثة، كلها مؤشرات إلى أن فرض الهزيمة الشاملة على إيران لم يعد خياراً سهلاً. وهذا التحول يعيد حسابات الجميع.
المسألة اليهودية في الغرب
إن أخطر ما في المشهد ليس فقط تبدل الأدوار الإقليمية، بل عودة خطاب الكراهية ضد اليهود في بعض الأوساط الغربية، وتحميلهم مسؤولية أزمات اقتصادية داخلية. التاريخ الأوروبي في أواخر القرن التاسع عشر يقدم نموذجاً مريراً لما يمكن أن يحدث حين تُختزل الأزمات البنيوية في كبش فداء ديني أو عرقي.
إن أي عودة لـ “المسألة اليهودية” في السياق الأميركي ستكون خطراً على اليهود قبل غيرهم، وخطراً على الاستقرار الغربي ذاته. وهنا تتقاطع مصلحة إسرائيل مع مصلحة التسوية، لا مع استمرار التوتر.
السيد الرئيس… أبشر ولا تخف
سيدي الرئيس Mahmoud Abbas،
إذا كان الاتفاق الإيراني–الأميركي يلوح في الأفق، فإنه يسحب من إسرائيل دورها الاحتكاري، ويحوّلها من دولة وظيفة إلى دولة طبيعية مضطرة لتعريف نفسها جغرافياً وسياسياً. وعندما تسقط صفة “الشرطي الوحيد”، تضطر أي حكومة إسرائيلية قادمة إلى القبول بحل الدولتين، وترسيم حدودها النهائية.
لا تخف من ضمٍّ متعجل هنا أو هناك؛ فالتاريخ لا يُحسم بقرارات تكتيكية، بل بالتحولات البنيوية الكبرى. وإذا تغيرت المعادلة الاستراتيجية، فإن إسرائيل ستجد نفسها مضطرة إلى الانخراط في تسوية نهائية، تعترف بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران.
إننا أمام لحظة فلسفية فارقة: انتقال من منطق القوة المطلقة إلى منطق التوازن المتعدد. وحين تتعدد مراكز القوة، يُفتح باب العدالة.
أبشر… فالتاريخ يتحرك، وإن بدا صامتاً.









