تتبدّى العنصرية في صورها المتعددة والمتنوعة بكثرة؛ فهي تتمظهر في العنصرية الثقافية الحديثة، أو العنصرية الجديدة، أو العنصرية التفاضلية، أو ما يُعرف بعنصرية ما بعد الحداثة. وهو مفهوم أُطلق على التمييز والتحيّز القائمين على التناقضات والاختلافات الثقافية بين المجموعات العرقية أو الإثنية. ويشمل ذلك الاعتقاد بأن بعض الثقافات تتفوّق على غيرها، وأن الثقافات المتنوعة قد تبدو أحياناً غير منسجمة أو غير قابلة للتعايش داخل المجتمع أو الدولة.
وتختلف العنصرية الثقافية عن العنصرية البيولوجية أو العلمية التي تقوم على التمييز المبني على الاختلافات البيولوجية الملحوظة بين الجماعات البشرية.
قد يقوم مبنى النزعة العنصرية ـ على الرغم من تنوّع أشكالها واستدلالاتها ـ على فكرة وطنية ضيقة ذات نزعة شوفينية، تختلط بفكرة ثقافية استعلائية ذات مركزية ذاتية. عندها تتبدّى العنصرية منهجاً سياسياً ومسلكاً موجهاً نحو الهيمنة والسيطرة، حيث يسعى غالبٌ يرى نفسه متفوّقاً ومتقدماً إلى فرض قيمه ومعاييره ونُظمه على مغلوبٍ أدنى منزلةً في نظره.
وقد شهد العالم نماذج عديدة من هذا النمط في علاقات بعض دول الغرب الأوروـأمريكي وأنظمته الحاكمة بأمم وشعوب خارج نطاقه الحضاري، لا تتقاسم معه سياساته أو منظومات قيمه، فتبدو له دونيةً حضارياً وثقافياً وإنسانياً ضمن منظور التفوق والاستعلاء.
غير أن العنصرية قد تتأسس أيضاً على أرضية معرفية ضمن سياق ثقافي ـ ديني. ففي هذه الحال لا يكون «الآخر» دائماً خارج المجال الجغرافي أو الاجتماعي، بل قد يكون داخلياً، منتمياً إلى الدائرة الوطنية أو القومية نفسها، ومرتبطاً بها أوثق الروابط.
هنا لا يُعرَّف المختلف بمحددات سياسية خارجية، بل ضمن تمايزات داخلية معرفية وثقافية ودينية تفصل داخل المجتمع الواحد بين ماهيات متفارقة. وعند هذه العتبة تنتقل العنصرية من أيديولوجيا وطنية ضيقة إلى أيديولوجيا أنثروبولوجية معرفية مغلقة، تقسّم الجماعة الوطنية الواحدة إلى هويات متنازعة.
وقد ركّز كثير من الأدب الاجتماعي على العنصرية البيضاء في الغرب الأوروـأمريكي، وكان عالم الاجتماع والناشط السياسي الأمريكي من أصل إفريقي وليام إدوارد بورغاردت دو بويز من أوائل من درسوا الظاهرة علمياً، إذ قال عبارته الشهيرة: «إن مشكلة القرن العشرين هي مشكلة خط اللون».
وقد رأى دو بويز أن الرأسمالية كانت أحد الأسباب البنيوية للعنصرية، وظل طوال حياته متعاطفاً مع قضايا العدالة الاجتماعية والسلام ونزع السلاح النووي.
وفي سياق الفكر الفلسفي، نجد أن بعض كبار المفكرين لم يكونوا بمنأى عن تصورات عنصرية أو تمييزية؛ فقد قسّم الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط الأجناس البشرية وفق تصنيفات لونية اعتبر فيها بعض الشعوب أقل تطوراً، كما حملت بعض كتابات أرسطو تصورات هرمية حول العلاقة بين الرجل والمرأة. كذلك عبّر الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم في إحدى رسائله عن شكوك تمييزية تجاه غير الأوروبيين.
وقد دفع انتشار العنصرية الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى اعتماد الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري عام 1965، في محاولة لبناء منظومة قانونية عالمية لمواجهتها.
وفي علم الاجتماع المعاصر لم تعد العنصرية دائماً صريحة أو فجة، بل أصبحت أكثر خفاءً، تتسلل عبر البنى الاجتماعية والاقتصادية وأنماط الإدراك الضمني. فالمواقف الضمنية ـ كما يبيّن علم النفس الاجتماعي ـ هي تقييمات تتشكل دون وعي مباشر، لكنها تؤثر في السلوك والقرارات اليومية.
وتتجلى هذه الأشكال الخفية في تجارب المهاجرين واللاجئين القادمين من بلدان الجنوب إلى مجتمعات الغرب الأوروـأمريكي، حيث وجدت التيارات الشعبوية الصاعدة ـ ومنها الظاهرة الترامبية ـ مساحة أوسع للانتشار.
ولا يقتصر الأمر على المقيمين الجدد، بل يشمل أحياناً مواطنين من أصول مهاجرة عاشوا أجيالاً داخل تلك المجتمعات وبلغ اندماجهم حدّ التماهي الثقافي.
وتختلف درجات العنصرية من بلد إلى آخر، كما تختلف الأزمنة التي تطفو فيها على السطح أو تنحسر. وغالباً ما يرتفع منسوبها مع الأزمات السياسية والاجتماعية أو مع الصدامات الدولية.
كما تتفاوت حدّتها بحسب الموقع الاجتماعي؛ إذ تزداد قسوة تجاه العمال والفئات الكادحة، بينما تتراجع تجاه أصحاب المكانة العلمية أو الاقتصادية العليا.
وأخيراً، فإن الهدف الأسمى لا يكمن في سنّ القوانين فحسب، بل في بناء ثقافة إنسانية مشتركة قادرة على تحرير الأفراد من التحيزات التي ورثوها دون اختيار، وترسيخ منظومة قيم تحفظ الكرامة الإنسانية والحقوق المتساوية بعيداً عن كل أشكال التمييز.





