السياسي – أ ف ب
“بخمس أرواح”: تمرد الدراما على “القاع” وصعودها نحو الضوء
منذ المشاهد الأولى، يدرك المشاهد أنه ليس بصدد متابعة عمل درامي تقليدي يكتفي برسم ملامح الفقر، بل هو أمام حالة من “الغوص الوجداني” في أعماق القاع. مسلسل “بخمس أرواح” لا يطرق الأبواب برفق، بل يقتحم الوعي بقصص إنسانية وعلاقات عاطفية مضطربة، تشكلت تحت وطأة فقدان الهوية ومرارة اليتم، لتخلق حكاية استثنائية يتردد صداها بين أكوام “المزابل” وقصور الأثرياء.
تشريح القاع: واقعية بصرية بلا رتوش
ما يميز “بخمس أرواح” هو ابتعاده الكلي عن التجميل الزائف؛ فقد نجح المخرج رامي حنا في تحويل “القاع” من مجرد ديكور إلى بطل أساسي. نحن نرى الفقر في رثاثة الثياب، ونشعر ببرده في “التخشيبة” التي يسكنها الأبطال. الإخراج هنا لا يبحث عن اللقطة الأنيقة، بل عن اللقطة الحقيقية، حيث الحوارات “مشذبة” ومكثفة، تخلو من التطنيب والحشو الذي غالباً ما يثقل كاهل الدراما الرمضانية. كل جملة قيلت، وكل صمت مرّ، كان مدروساً ليخدم تصاعد الحدث.
قصي خولي: “ابن الميتة” الذي يصارع الهوية
يطل علينا قصي خولي بشخصية “شمس عبد الله” في أداء يمكن وصفه بـ “الانسلاخ”. لقد خلع قصي ثوب النجم ليرتدي جلد رجل خارج من رحم العدم. لقب “ابن الميتة” ليس مجرد نعت، بل هو الجرح النازف الذي يحرك الشخصية ويخرجها عن طورها. يقدم قصي “شمس” كإنسان شهم وحبيب، لكنه محاصر بهوية مضطربة، بانتظار تلك اللحظة الفارقة التي ستنقلب فيها حياته من “وريث القمامة” إلى وريث العز والنفوذ. هذا “الارتقاب” هو المحرك التشويقي الذي يربط المشاهد بالشاشة، بانتظار الضوء الذي سينبلج من وسط الظلام.
كاريس بشار: “سماهر” وتوهج اللهجة المبتكرة
تثبت كاريس بشار مجدداً أنها مدرسة في التجدد؛ ففي شخصية “سماهر” المغنية التي تدير حياتها بقبضة حديدية، خلقت كاريس “هوية صوتية” خاصة من خلال لهجة بدوية قريبة تمنح الشخصية أبعاداً إضافية من الهيبة والجاذبية. سماهر ليست مجرد امرأة قوية، بل هي كائن زجاجي من الداخل، هشاشة شكلتها طفولة قاسية تخفيها خلف قناع الصلابة. علاقتها بـ “شمس” ليست قصة حب عابرة، بل هي “تلاحم جروح”، حيث يجد كل منهما في الآخر مرآة لألمه المشترك.

الثنائية الذهبية والرهان على “الزمن الصاعد”
يكمن سر قوة المسلسل في مراهنته على “دراما الصعود”. نحن الآن في الحلقات الأولى نراقب الصراع في الحضيض، لكن القيمة المضافة تكمن في التشويق التصاعدي لكشف الحقيقة: كيف سيواجه ابن القاع عالم الثراء؟ هذا التباين البصري والنفسي بين عالمين، تحت إشراف إنتاجي ضخم من “شركة الصباح” و”دبي ستوديوز”، يجعل من “بخمس أرواح” الحصان الأسود لرمضان 2026.

لماذا يختلف “بخمس أرواح”؟
لأنه عمل لا يبيع الأوهام، بل يقدم “الجمال من رحم القبح”. إنه يحتفي بالإنسان في أقصى حالات انكساره، ويعدنا برحلة ملحمية من الهاوية نحو القمة. “بخمس أرواح” هو محاولة سينمائية-درامية لإعادة تعريف مفهوم “العائلة” و”الانتماء” في زمن ضياع الهويات.









