لم نكن بحاجة لفضائح ابستين لندرك مدى الانحطاط الذي وصلت اليه الرأسمالية التي تتحكم بالسياسة الدولية، ولم نكن نحن الفلسطينيين بالذات، بحاجة لفضائح لندرك مدى بؤس السياسة الدولية. كل ما في الامر ان المشهد الدولي الراهن اكتر انحطاطا، من اي وقت مضى، وهو بلا اخلاق او ضوابط. مشهد سقط عنه قناع القانون الدولي، ولم يعد موجودا فيه حتى اللياقة والنفاق الدبلوماسي، اي القشرة التي تغلف الجشع الرأسمالي، والاطماع التي أخذت شكلا متوحشا في الأشهر الأخيرة، اساسه استخدام القوة.
نعرف ان السياسة الدولية تصنعها الدول القوية والغنية، هذه الحقيقة كانت موجودة طوال الوقت، ومنذ ان ظهر مصطلح السياسة الدولية ذاته، وتم استخدامه بعد الحرب العالمية الاولى، اي في ذروة عصر الهيمنة الاستعمارية، لم يكن اخلاقيا، فهو كان يعكس حالة من التوازنات والتفاهمات بين الدول الاستعمارية. ولم يكن للشعوب المقهورة أي دور حقيقي إلا من زاوية كفاح هذه الشعوب من اجل حريتها واستقلالها.
وفي حينه عصبة الأمم، التي تأسست عام 1920. وكان من المفترض انها ستحافظ على السلم الدولي بعد حرب طاحنة، تحولت إلى اداة طيعة بيد الدول الكبرى، وحق تقرير المصير للشعوب بقي في ادراج هذه العصبة، لأن مبدأ الوصاية والانتداب، هو الذي ساد. واليوم الدول الكبرى، الاقوى والأغنى، اوصلت هيئة الأمم المتحدة للمصير نفسه الذي وصلت اليه العصبة، والإدارة الأميركية الحالية لا تجد لاستمرارها ضرورة، فالامم المتحدة على ضعفها لا تزال تقيد، ولو بشكل محدود واخلاقي سياسة استخدام القوة.
لم تكن السياسة الدولية، بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين، في أي وقت عادلة، بل كانت كل الوقت مزدوجة المعايير عندما يتعلق الامر بانتهاكات إسرائيل للقانون الدولي، تستولي على الأرض، تمارس سياسة العقاب الجماعي، وهي اليوم، وفي زمن الانهيار الاخلاقي الشامل، تتملص من العقاب من مسؤوليتها عن حرب الإبادة الجماعية الاكثر بشاعة منذ الحرب العالمية الثانية. وفي الواقع احترام للقانون الدولي لم يكن سوى فرض على الضعفاء، ومع ذلك هناك على الاقل ثقافة عامة في الاوساط الدولية تحترم هذا القانون، وتصر على ضرورة ان يكون هناك قدر من الاخلاق واللياقة في المعاملات الدولية، حتى هذا القدر من الثقافة الخجولة ينهار وتحل محلة الواقحة والاستعلاء والعنصرية الفجة.
في هذه اللحظة التاريخية، لم يعد الفلسطينيون وحدهم من يشتكي سوء معاملة الاقوياء له، بل هناك اليوم وحوش متفاوتة القوة تتصارع، وبينها من هو اكثر قوة وجبروت يريد ان يفرض إرادته على الجميع، مما وسع من دائرة الشكوى العامة، فنشعر نحن الفرائس بشيء من العزوة، وان كانت غير حقيقية في الواقع.
ما نشهده اليوم ليس انقلابا على النظام الدولي السائد منذ الحرب العالمية الثانية، وانما هو سقوط اخلاقي مخيف. لا يجدي الحديث فيه عن القانون الدولي، او السيادة الوطنية، او مبادئ مثل الحرية والاستقلال، والعدالة والعدل، او المساوة، هناك لغة وحيدة اليوم هي لغة القوة، واستخدامها حكرا على اصحاب العضلات المفتولة، والمتخمين بالثراء، والمالكين لادوات القوة، التي تبدأ بالاسلحة التقليدية وغير التقليدية، لا تنتهي بالذكاء الاصطناعي.
والسؤال: هل نيأس ونستسلم لمنطق القوة؟ الجواب بالتأكيد لا… هناك حاجة للبحث عن تحالفات جديدة، وأن نمتلك ادوات العصر، وهي ليست ادوات قتالية بالضرورة وانما ادوات تضع صاحبها على جدول الاعمال بشكل دائم.






