ليست الحضاراتُ سوى جُمَلٍ طويلةٍ كتبتها البشريةُ على صفحات الزمن، وكلُّ جملةٍ لا تقوم إلا بركنين: مبتدأٍ ينهض عليه المعنى، وخبرٍ يكتمل به الوعي. وإذا أردنا أن نقرأ تاريخ الإنسان قراءةً لغويّةً رمزية، فإننا نجد أنّ الرغيف والكتاب هما مبتدأ الوجود وخبره؛ فالأول يحفظ الجسد من السقوط، والثاني يحفظ المعنى من العدم. وما بينهما يتشكّل الإنسان بوصفه كائناً يأكل ليعيش، ويقرأ ليعرف لماذا يعيش.
لقد أدرك الشاعر الأمريكي الكبير والت وايتمان هذه الحقيقة حين سمّى ديوانه الأشهر «أوراق العشب». لم يختر الرخام ولا الذهب ولا الأبراج، بل اختار العشب؛ لأنه أكثر الكائنات تواضعاً وانتشاراً، وأكثرها التصاقاً بالأرض. فالعشب هو النصّ الأول الذي تكتبه الطبيعة بالحبر الأخضر، وهو الدليل على أن الحياة لا تحتاج إلى صخبٍ كي تستمرّ، بل إلى قدرةٍ خفيّة على التجدد. إن الأرض لا تكتب بالحبر الأسود كما يفعل البشر، بل بدمها الأخضر؛ أي بخصوبتها التي تعيد صياغة الوجود كلّ ربيع.
وهنا يلتقي الشعر بالفلسفة. فقد رأى الفيلسوف اليوناني أرسطو طاليس أن الكتاب يأتي في مرتبةٍ عالية بعد الإنسان؛ لأن المعرفة ليست بديلاً عن الحياة، لكنها شرطُ اكتمالها. فالكتاب بلا قارئ جسدٌ بلا روح، والإنسان بلا معرفة حياةٌ بلا أفق. ولهذا لم تكن المكتبات الكبرى في التاريخ ترفاً ثقافياً، بل مؤسساتٍ لحماية المعنى من النسيان، تماماً كما كانت الأفران حمايةً للناس من الجوع.
إن الثقافة التي تُفصل عن الأخلاق تشبه طعاماً منزوع القيمة الغذائية؛ قد يملأ المعدة لكنه لا يبني الجسد. وكذلك الكتابة التي تُفرغ من رسالتها تتحول إلى زخرفةٍ لغوية أو فانتازيا عابرة، أشبه بأمواجٍ تضرب الشاطئ ثم تنسحب دون أثر. فاللغة حين تفقد ضميرها تتحول إلى لعبةٍ ذهنية، وحين تفقد صلتها بالإنسان تصبح خطاباً يدور حول ذاته.
والرغيف، في بعده الرمزي، ليس مجرد خبزٍ يُكسر على المائدة؛ بل هو كلُّ ما يحتاج إليه الكائن كي يبقى. إنه الماء والأمان والعمل والكرامة. فالجائع لا يقرأ الفلسفة، لأن الجوع يختصر العالم في رغبةٍ واحدة. وقديماً قيل إن المعدة إذا صرخت صمتت الحكمة. فالموتى لا يقرأون، والجياع الذين أرهقتهم الأنيميا لا يملكون رفاهية التأمل؛ لأن الفكر يحتاج إلى جسدٍ قادر على حمله.
ومن هنا تتضح مأساة العالم الحديث؛ إذ انقسم إلى ثقافتين متباعدتين: ثقافةٍ تُنتج الكتب بلا خبز، وأخرى تُنتج الخبز بلا كتب. الأولى تُنشئ نخبةً معزولة عن الناس، والثانية تُنشئ جماهير بلا بوصلة. وفي الحالتين يُصاب التاريخ بالعطب؛ لأن الحضارة لا تقوم على أحدهما دون الآخر.
لقد لخّص الشاعر الفلسطيني محمود درويش هذه المعادلة حين قال: «إنّا نحبُّ الورد، لكننا نحبُّ القمح أكثر». فالورد هو الجمال، والقمح هو البقاء. والجمال بلا بقاء وهمٌ رومانسي، والبقاء بلا جمال حياةٌ خشنة تفتقد المعنى. وهكذا تصبح القصيدة والرغيف توأمين لا خصمين؛ لأن الشعر لا يولد في فراغ، بل في أرضٍ لها خبزها وذاكرتها.
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل نختار الثقافة أم الاقتصاد؟ بل كيف نعيد صياغة العلاقة بينهما. فالرغيف يمنح الإنسان القدرة على الوقوف، والكتاب يمنحه القدرة على النظر بعيداً. الأول يعلّمه النجاة، والثاني يعلّمه الحرية. وإذا فقد أحدهما اختلّت الجملة الإنسانية كلها؛ لأن المبتدأ بلا خبر ناقص، والخبر بلا مبتدأ معلّق في الهواء.
وهكذا يمكن القول إن أعظم ما يحتاجه العالم ليس وفرة المعلومات ولا تضخّم الأسواق، بل إنساناً يعرف أن المعرفة خبزٌ آخر، وأن الخبز كتابٌ صامت. فحين يجتمعان، لا يكتب الإنسان تاريخه فقط، بل يكتب نفسه أيضاً؛ جملةً كاملةً لا ينقصها معنى.






