السياسي – كلنا قلقون. أوراق الشجر تتطاير برياح الحرب. القلق يتسلل عبر فتحات التنفس وعناوين النشرة الإخبارية. سيطرة على الوعي، على الوعي الباطني لحد فقدان الوعي. المتراسلون عبر “واتساب” الذين يصدرون الرسائل على مدى ساعات اليوم، واستجداءات الحصول على تلميح أو كسرة تقدير متى سيحصل هذا.. هذا الأسبوع أم منتصف الأسبوع القادم؟ هل هناك احتمال بالرد ضدنا أم سنرد ضدهم قبل ذلك؟ وصياغات أخرى لا تنتهي من السؤال ذاته: متى الحرب؟ هل سيطلقون علينا صواريخ باليستية مرة أخرى؟
هذا طبيعي، لكنه مبالغ فيه أيضاً. وينبغي أن نقول الحقيقة: لا أحد يعرف متى سيحصل هذا. بمعنى، هناك واحد يعرف؛ سيقرر لكن برأيي أنا، ذلك الواحد الذي يعرف، لا يعرف. وحسب شهادته، سيقرر في اللحظة الأخيرة، وهو قادر على أن يقرر كل شيء. هو ليس مقيداً بأي شيء. بخلاف كل أسلافه، الرؤساء الأمريكيين (العاديين)، ليس لهذا الرئيس قوانين، قواعد، توازنات، كوابح، ثبات أو كياسة. يفعل ما يروق له. أحياناً هذا جيد لنا، وأحياناً هذا رائع لنا، وأحياناً لا.
لدى رئيس أمريكي عادي كان يمكن التقدير إلى أن يسير هذا. كان يمكن فهم أين يسير هذا، كان يمكن إجمال الأمور والمعرفة، أما لدى الحالي، فلا. لقد اجتذب إلى هذا الحدث مع إيران بالصدفة. مثل الوعد إياه الذي أعطاه للمتظاهرين: “المساعدة على الطريق”.
وبالفعل، هذه طريق طويلة لم يخططها ترامب، بل علق فيها. من ناحيته، كل شيء انتهى منذ زمن بعيد. أعلن عن نصر مطلق، نهائي ورباني بعد أن أنزلت قاذفات الـ B2 خاصته بضع قنابل خارقة على مجال فوردو، وكان يخيل لنا جميعا أنه أنهى. لكن منذئذ، كل شيء يحصل بسرعة لا يمكن التحكم بها. تسلق إلى شجرة عالية جداً. من جهة أخرى، لم تغرس بعد الشجرة العالية التي لا يمكن لترامب أن ينزل عنها بالسرعة إياها التي تسلق عليها. من ناحيته، كل شيء ممكن. إذا قرر بأن الاتفاق مع إيران صبابة، فعندها سيكون، حتى وإن كان الاتفاق سيئاً. ومثلما صرخ على زيلينسكي بأن “أوكرانيا شنت الحرب ضد روسيا”، ومثلما وقع بالذات في عشق أردوغان.
هكذا هو ترامب. وبخلاف ما حصل مع باراك أوباما، سيتعين على نتنياهو أن يسير مع كل قرار. مع كل الاحترام لإيران، لديه عفو على الرأس. إذن، نحن متعلقون بترامب تماماً. هذا هو الوضع. في هذه اللحظة، قلبه في المكان الأصح. الأمريكيون يواصلون حشد قوة هائلة حول إيران. هذا لا يزال بعيداً عن القوات التي حشدت في حينه قبل اجتياح العراق أو أفغانستان، لكن في حينه كانت اجتياحات برية. أما هذه المرة فيبدو أن الحديث يدور عن معركة عسكرية وحصار بحري. يبدو ترامب كمن هو مصمم على تغيير النظام في إيران. إذا نجح فهذا هو الفعل الأهم للحصول على جائزة نوبل للسلام. جدية ترامب حقيقية، وينبغي الصلاة لأن تبقى هكذا، لكن أن نكون أيضاً واعين لإمكانية عدم حدوث ذلك.
كل إسرائيلي صهيوني يأمل في أن يحسم ترامب في صالح هجوم أمريكي قوي وطويل الأمد في إيران. فآية الله الان في نقطة الدرك الأسفل والأخطر منذ الثورة في 1979. هو يائس. لا أدوات لهم ولا وسائل، ولا يعرفون كيف ينقذون أنفسهم من هذه الحفرة التي سقطوا فيها. هم يحتاجون إلى الوقت، إلى المال. لا يملكون وقتاً ولا مالاً. اتفاق مع أمريكا، حتى لو كان انتقاليا مؤقتا سيعطيهم الوقت والمال.
لإسقاطهم، هناك حاجة لدفعة صغيرة واحدة أخرى. الهجوم الأمريكي، الذي حسب كل المنشورات، كفيل بأن يكون إسرائيلياً أيضاً يوقظ الاحتجاج من جديد ويوقظ قوى داخلية غافية وشبكات داخلية منظمة تنضم إلى موجات الهجمات من الخارج فتنهي هذا النظام الدموي. نأمل في أن تكون كل أجهزة الاستخبارات الممكنة قد أعدت هذا. الفرصة الحالية لن تتكرر. هذا حدث واضح لمرة واحدة، ربما حتى مرة في القرن. إزالة التهديد الإيراني عن إسرائيل، وعودة إيران إلى أسرة الشعوب، هما لعبة تغيير على مستوى توراتي. ليس لإسرائيل فحسب بل للمنطقة كلها.
الأمل مكان الخوف. القلق الوجودي الذي يدق في قلوب الكثيرين جداً منا، زائد. نعم، الحرب أمر سيئ، بل وخطير أيضاً. لكن إبقاء إيران تهديداً موقوتاً يخطط لإبادتنا وإحاطتنا بحزام ناري، فهذا حدث خطير أكثر بكثير. الحرب ضد الشيطان، ضد القوى الظلامية، ضد دولة كبرى هي أيضاً قوة عظمى إقليمية وضعت لنفسها هدفاً استراتيجياً واحداً، ألا وهو شطب إسرائيل عن وجه البسيطة – هي حرب مقدسة.
صحيح أننا قد نصاب. لكننا سننجو. إسرائيل هي الدولة الأكثر تهديداً في العالم، لكنها أيضاً الدولة الأكثر تحصيناً، بفارق هائل عن كل باقي الدول. في الزمن الذي انقضى منذ “الأسد الصاعد”، نجحنا في استكمال معظم ما كان ينقصنا. استخلصنا الدروس. منظومات الاعتراض تعلمت بشكل سريع وتحسنت. محظور الاستخفاف بالإيرانيين. هم أيضاً يعملون ويتحسنون، لكن وسائلهم محدودة.
إيران دولة في حالة إفلاس مستمر، في انهيار متسارع للبنى التحتية، في حصار دولي. في الجولات السابقة كان يفترض أن يطلقوا علينا مئات الصواريخ دفعة واحدة. وبالإجمال، أطلقوا عشرات. استنتجوا بأن إطلاق 30 صاروخاً دفعة واحدة هو الأكثر نجاعة من ناحيتهم. إذا اخترق اثنان، ثلاثة منها غلاف الدفاع فهذا يكفيهم. هكذا كان في المرة السابقة. منذئذ وحتى اليوم، لم يتحسن وضع إيران، بل العكس. قدراتنا هي التي تحسنت.
بن كسبيت
معاريف 20/2/2026






