السياسي – بينما تصل المساعدات الإنسانية إلى غزة بوتيرة بطيئة تقول منظمات الإغاثة إنها أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب، تتفاقم المعاناة على الأرض حيث ملاجئ مؤقتة نادرة، ومواد إعادة الإعمار خاضعة لقيود إسرائيلية صارمة، وأوضاع تصفها الأمم المتحدة بأنها “مزرية”.
بموازاة ذلك لم يتوقف العدوان الإسرائيلي حيث استشهد نحو 600 فلسطيني منذ بدء وقف إطلاق النار نتيجة الغارات الإسرائيلية.
في هذا السياق، يبدو إعلان واشنطن تحويل 10 مليارات دولار إلى “مجلس السلام” الذي شكّله دونالد ترامب صعب التوفيق مع الواقع الميداني.
ويزداد الأمر سوءًا حين نعلم أن الولايات المتحدة سددت جزءًا ضئيلاً فقط من متأخراتها للأمم المتحدة: 160 مليون دولار من أصل أكثر من 4 مليارات مستحقة.
-خدمة المصالح الخاصة
يطرح ذلك سؤالًا بديهيًا: لماذا تُضخ أموال عامة طائلة في مبادرة خاصة، بينما تعاني آليات الأمم المتحدة القائمة من ضائقة مالية حادة؟.
وقالت صحيفة الغارديان البريطانية إن توجيه التمويل إلى هيئة يرأسها الرئيس الأميركي يوحي بأن السياسة الخارجية تُدار لخدمة مصالح خاصة، لا المصلحة العامة.
فالمجلس يقدّم وعودًا طموحة: إعادة إعمار رفح خلال ثلاث سنوات مع أبراج وناطحات سحاب، ومنح غزة حكمًا ذاتيًا خلال عقد، ونشر قوة دولية للاستقرار قد يصل قوامها إلى 20 ألف جندي.
غير أن هذه الوعود تبقى، حتى الآن، أقرب إلى التصريحات منها إلى خطط قابلة للتنفيذ.
الأكثر إثارة للقلق هو غياب أساس قانوني واضح لولاية المجلس. فقرار مجلس الأمن الصادر في نوفمبر الماضي خوّل المجلس حصريًا بإدارة انتقالية مؤقتة لغزة لمدة عامين.
لكن الرئيس الأميركي، الذي يمتلك حق النقض وسلطة تفسير الولاية، يرى خلاف ذلك، إذ يلمّح إلى إمكان توسيع دور المجلس ليشمل نزاعات عالمية أخرى.
كما أن المجلس لا يندمج ضمن هياكل الأمم المتحدة، وربما يتجنب عمدًا مسار بناء التحالفات المعقّد مع الشركاء الإقليميين.
وإذا كان الهدف تصدّر العناوين، فقد تحقق؛ أما السؤال الحقيقي فهو: هل تواكب هذا الزخم الإعلامي ضوابطُ مساءلةٍ وحوكمة؟
-إعادة هندسة غزة
تحذّر ورقة حديثة للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية من نموذج “إعادة هندسة” لغزة من الخارج، يحوّلها إلى جيب مُدار بإحكام: مجمعات سكنية مراقبة، وأبراج ومراكز بيانات ومنتجعات ساحلية، مع تهميش صوت الفلسطينيين.
وتطرح الخطة سؤالًا جوهريًا: هل غزة وطنٌ لأهلها أم غنيمة لقوى خارجية؟ في غياب مشاركة فلسطينية حقيقية، ستكون الإجابة المفروضة هي التي ترسم المستقبل.
غزة اليوم مدمّرة، ويصف كثير من الخبراء ما جرى بأنه إبادة جماعية. ومع ذلك، تلمّح حكومة بنيامين نتنياهو إلى أن “المهمة لم تكتمل”، وتلوّح بهجوم جديد إذا لم تُنزع سلاح حماس، وربما قبل الانتخابات الإسرائيلية هذا العام.
قد ينسجم هذا مع نصوص قانونية، لكنه يناقض منطق السلام، الذي يفترض مسارًا واقعيًا نحو السيادة الفلسطينية.
وفوق ذلك، يلوح عامل تفجيري إضافي: التهديد بعمل عسكري أميركي ضد إيران خلال أيام إذا فشلت المفاوضات، فيما تقول طهران إن القواعد الأميركية ستكون أهدافًا مشروعة إذا تعرّضت لهجوم.
فالسلام في غزة يتطلب هدوءًا إقليميًا، وضبط نفس إسرائيليًا، وشرعية فلسطينية، ومصداقية مؤسسية. أما الدبلوماسية الشخصية وسياسات حافة الهاوية، فتنذر بالتصعيد لا بالاستقرار.
وتخلص الغارديان إلى أن أي سلام مستدام يحتاج صبرًا وقدرة على التنبؤ واحترام القانون الدولي. ضخّ الأموال في مبادرات خاصة بلا سند قانوني واضح، مع تجاهل الأطر الأممية القائمة، لا يبني سلامًا، بل يفاقم التناقضات—وفي غزة، هذه التناقضات قابلة للانفجار.









