امر فظيع يحصل رواية لزياد كاج تقع على متن 200 صفحة من القطع المتوسط، وهي من اصدارات دار نلسن في لبنان بطبعتها الثانية الصادرة سنة 2023.
رواية واقعية عن مجزرة صبرا وشاتيلا وذلك من خلال سيرة وذكريات بطل الرواية والذي يعمل ضمن جهاز متطوعي الدفاع المدني في بيروت المحاصرة سنة ١٩٨٢ التابع للجبهة النوحدة لراس بيروت. والرواية هي تجربة شخصية للكاتب ومبنية على احداث وتجارب حقيقية.
يبدا بطلنا مدخله للرواية ص ١٧ من خلال مطالعته لكتاب بيان نويهض الحوت المعنون “صبرا وشاتيلا” فيقول:” قرات بعض الصفحات ثم اعدته الى مكانه بين بقية الكتب. في تلك الليلة من ذلك النهار عاداني النوم… استعدت المجزرة”.
تبدا الذكريات مع الراوي وبطل الرواية بالتتابع والتدفق منذ لقاءه الكابتن غسان مسؤوله في جهاز متطوعي الدفاع المدني، حيث يقول ص ١٥ :”اعادني الكابتن غسان الى ايام الاجتياح الاسرائيلي للبلد والى بيروت عام ١٩٨٢..”
منذ لقاءه بالكابتن غسان و رائحة الجثث المتحللة اخذة بالتسلل الى انف فوج الاطفاء الذي كان اول الواصلين الى صبرا وشاتيلا؛ قيل لهم حضروا انفسكم للاسوأ هناك، امر فظيع حصل هناك، ترجل العاملون من سيارة الاسعاف على ابواب المخيم وبداو بالسير نحو مداخله تلضيقة، كانت الرائحة دليلهظ في الزقاق، وكانوا كلما تقدموا اكثر ازدادت الرائحة اكثر، ومع اشتداد تلرائحة بدت اهوال الفاجعة بالاتضاح اكثر، بدا اكتساف المجزرة.
ومع اكتشاف المجزرة تبدا صفحات الرواية بتسجيل وتوثيق مشاهدات فرق الاسعاف، وهي مشاهد تصل رائحة جثثها حتى لانف القاريء….
وتنغمس صفخات الكتاب في استحضار مشاهد الجثث المتحللة والتي اكلها الدود، علاوة على مظاهر الاعدامات الواضحة والجثث المنتفخة والبطون المبقورة والعائلات المتكومة فوق بعضها البعض في حفر اعدت على عجل…
بعد الانتهاء من مشهد اكتشاف الفاجعة وحجمها ومقدار بشاعتها، تبحر صفحات الكتاب عبر مشهدها الثاني باعادة ترتيب مشاهد المجزرة ، فتبدا بترتيب الحدث من عند خروج قوات الثورة الفلسطينية من بيروت وحصار المخيم من قبل الجيش الاسرائيلي بفيادة شارون، ثم اجتماعه مع بشير الجميل وتخطيطه لكيفية الاستيلاء على السلطة وتوقيع معاهدة سلام مع اسرائيل، واغتيال الجميل وما تبعها من محاولات الانتقام من المخيمات والفلسطينيين ، تلك الحملة التي دعى اليها شارون قيادة الكتائب اللبنانية بحجة الانتقام لمقتل بشير، ووجه الحملة لتنظيف المخيمات من الفلسطينيين انتقاما لمقتل بشير، وبغطاء ودعم كامل من الجيش الاسرائيلي، وهذا ما تبوح به صفحات الرواية بشكل مفصل ص١٤٥ وص ١٤٦ …
وفي معرض التوثيق ولتكتسب الرواية قيمة تاريهية وتوثيقية علةوة غلى قيمتها الادبية فقد اشار الكاتب ضمن سياق الرواية الى عديد المصادر والمراجع والشهادات التي اعتمد عليها في تسحيل احداث تل واية وتوثيقها، وهذا كله علاوة على شهادته وتحربته تلشخصية في الحرب والمجزرة، فقد اشار الكاتب الى كتاب بيان الحوت المعنون صبرا وشاتيلا في ص ١٧ واشار ايضا الى كتاب من بيروت للقدس ص ٧٩ حيث تروي الدكتورة السنغافورية المتطوعة في صفوف الهلال الاحمر الفلسطيني سوي شاي انغ في كتابها من بيروت الى القدس تجربتها المريرة والشاقة خلال عملها في المستشفى خلال الاجتياح وصولا الى المجزرة واقتحام المستشفى. وكذلك الامر مع كتاب ملعون هو صانع السلام حيث يتحدث جون بويكن باسهاب عن مهمة فيليب حبيب المبعوث الامريكي للسلام ص ١٢٣. وكذلك الامر مع كتاب جورج الحايك وجورج فريحة في كتابه مع بشير ذكريات ومذكرات الوارد الاشارة اليه ص ١٦٠
الجزء الثالث في الرواية اعتنى بشكل اساسي بسماع وتوثيق شهادة من ارتكبوا الجريمة ومن قاموا بتلك الاعمال البشعة والحيوانية والتي يندى لها جبين الانسانية، حيث يلقي الكاتب بهذه المهمة على عاتق قرص DvD المحفوظ لدى المكتبة اللبنانية، والذي بثت اعترافات اصحابه عبر شاشات التلفاز في حينه، فيخوض الكاتب الراوي عبر صفحات الرواية صراعا للحصول عليه ، وهذا ما تم له اخيرا في الصفحة ٩٩، ومع الحصول على القرص المدمج تبدا تصريحات مرتكبي المجزرة بالظهور تواليا عبر صفحات الرواية…
في الجزء الرابع من الرواية تدور احداث الصفحات حول مآلات الامور بالنسبة للجميع، فيتحدث عن لجان التحقيق بالنسبة للمجزرة مثل لجنة كاهانا ص ١٦٨ ولجنة شون ماك برايد وتحقيق الغارديان ص ١٦٩، وشهادات الفاعلين وقادتهم، وعن مالات الشهداء وذويهم وقضيتهم الى اين، وحتى تلسؤال عن حجم الاهمال والغبار والنسيان الذي يلف المقبرة ص ١٦٦ و ص ١٦٧ وص ١٦٨، ووصولا لاغتيال ايلي حبيقة بعد اعلانه باستعداده للادلاء بسهادته امام محكمة في بلجيكا ص ١٧٠ اضافة ال نهايات قادة المجزرة من كل الاطراف اللبنانية والاسرائيلية وصولا الى مالات ونهايات ابطال الرواية وهم ابطال ومتطوعي فوج الاسعاف واصدقاء البطل.
وبين كل ذلك من حيث مالات الامور بعد المجزرة وما رافقها من اسى كاصدار قانون عفو لبناني عن كل ما ارتكب اقناء الحرب الاهلية، بل ان الفاعلين اصبحوا اسياد البلد بعد هذه المجزرة، علاوة على منظؤ الناس الذين يسيرون فوق شوارع شاتيلا التي تحتضن تحت ترابها جثث وحكايا من بقايا تلك المجزرة، فيمن يسيرون فوق التراب باقدامهم يجهلون تاريخهم، وهنا يستحضر الكاتب مثالا صارخا من الطرف الاخر في ص ١٧١ يعبر فيه الكاتب عن كيفية اعتناء العدو بذاكرته وتاريخه المصطنع من خلال متحف “ياد فاشم” وهو المتحف الذي اقيم بالقدس سنة ١٩٥٣ لتاريخ ذكرى ما يعرف بالهولوكوست حيث يزوره كل عام الاف الزوار ومنهم رؤساء دول وشخصيات عالمية بارزة ومشهورة، حيث يمتد المتحف على مساحة ٤٢٠٠م ويتضمن ٦٨ مليون وثيقة و٣٠٠ الف تصوير والاف الاشرطة وكاستيات الفيديو والاقراص المدمجة، ومكتبة ضخمة تضم ١١٢ الف عنوان.
في النهاية واستكمالا لمالات شخصيات الرواية [ابطال فوج الاطفاء والاسعاف] يعدل البطل عن كتابة الرواية التي توثق المجزرة لاسباب تبوح بها سطور الصفحة ص ١٧٢ وص ١٧٥. ويستعيض عنها غسان وصديقه البطل /الراوي بمجموعة واتس اب تضم رفاق الامس قبل ٣٧عاما من فوج الاطفاء والاسعاف ، والتي سرعان ما تبدا بالتناقص والاختلاف نتيجة تضارب واختلاف المصالح بين منتسبيها، فاصدقاء الامس[بشير وحسان وروي والكابتن غسان وعيسى وجاد وماهر وشوقي وفايز وناصر بكار ص ١٨٠]. اصدقاء الامس لم يعودوا كما كانوا وهذا تماما ما يصرح به الراوي في ص ١٧٦ ” كل واحد منا عبر نفق صبرا وشاتيلا ثم سلك طريقا مختلفا..”.
“صديقي غسان بعث لي دعوة للانضمام الى مجموعته الواتس اب للم شمل عناصر وقادة جهاز الدفاع المدني خلال الاجتياح. انضممت واكتشفت انني لاازال اذكر البعض، واني نسيت عددا لا باس فيه، في البداية كانت التجربة ناجحة : تبادل نكات وذكريات ومغامرات وصور وحديث عن العمر وتجارب الحياة ومحطاتها. لاحقا بدات الخلافات تظهر في صفوف المجموعة . لعب الكابتن غسان دور الاطفائي وحاولت انا بدوري مساعدته. وقع الانقسام …..فانفرط عقد المجموعة تدريجيا. كنت ارى الاسماء على هاتفي واقرا: ترك المجموعة. العبارة تتكرر والمجموعة تصغر.
حظه العاثر غسان، استطاع جمعنا سنة ١٩٨٢ خلال الاجتياح وتحت الخطر، لكنه فشل على الواتس اب سنة ٢٠١٩ وقد اصبحنا متقدمين في العمر”. ص ١٨١ وص ١٨٢.
ورغم كل ذلك السواد إلا ان الكاتب بقي حريصا ان يترك نافذة الامل مشرعة ولو من خلال بعض الادوات الناعمة والتي اختار لها ص ١٨٦ ليعلن عنها، ففي الذكرى ٣٧ للمجزرة يستيقظ الراوي صباحا ليقرا في الصحيفة خبر عن ماراثون تشارك به وفود ايطالية واوروبية وعربية يقام تخليدا لضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا ….حيث تقوم الوفود بنهايته بوضع اكاليل على النصب التذكاري لشهداء صبرا وشاتيلا…ص ١٨٧.








