أستاذ ومحلل سياسي
فلسطيني مقيم في الجزائر
في لحظةٍ تتكاثر فيها التأويلات الدينية الخطيرة، ويُعاد فيها توظيف النصوص المقدسة لخدمة مشاريع سياسية استعمارية، يبرز صوت الدكتور الوزير رمزي خوري، رئيس اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين، بوصفه خطَّ الدفاع الأول عن المسيحية الفلسطينية في مواجهة ما يُسمّى بالمسيحية الصهيونية.
لقد جاء البيان اليوم22/2/2026 شديد اللهجة الصادر عن اللجنة الرئاسية العليا رداً على تصريحات السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال Mike Huckabee، التي استندت إلى تأويلات دينية تزعم “حقاً توراتياً” يمتد من الفرات إلى النيل. وهي رواية لا تضرب فقط عرض الحائط بالقانون الدولي، بل تقلب الحقائق التاريخية رأساً على عقب، وتحوّل النص المقدس إلى أداة سياسية لتبرير الاحتلال والاستيطان والضم.
بين قداسة النص وابتذال التوظيف السياسي
المسيحية في جوهرها رسالة محبة وعدالة وسلام. المسيح لم يأتِ ليؤسس مشروعاً استعمارياً، بل ليعلن أن الله محبة، وأن العدالة طريق الخلاص. غير أن المسيحية الصهيونية قامت بعكس المعادلة: جعلت السماء خادمةً للأرض، والروح مطيّةً للسياسة، وحوّلت الإيمان إلى خطاب تعبوي يبرر السيطرة والطرد والقتل.
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يزرع بذور مواجهة دينية شاملة فوق أرضٍ كانت عبر التاريخ أرض لقاءٍ للرسالات، لا ساحة صراعٍ اسمها. فلسطين لم تكن يوماً ملكيةً لقراءة لاهوتية متطرفة، بل كانت موطناً لشعبٍ متجذر، مسلمٍ ومسيحيٍ ويهوديٍ عربي، توحّده هوية وطنية واحدة ومصير مشترك.
التاريخ لا يُمحى بالتأويل
إن وجود إسرائيل لم يستمد شرعيته من نصوص دينية، بل نشأ في سياق حرب عام 1948، التي شهدت تهجير ما يقارب 800 ألف فلسطيني، وتدمير مئات القرى والمدن، ووقوع عشرات المجازر. هذه حقائق تاريخية موثّقة لا يمكن شطبها بتأويلات لاهوتية أو شعارات أيديولوجية.
مصير فلسطين لا تحدده قراءة توراتية، بل تحدده قرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها قرار التقسيم 181 وقراري مجلس الأمن 242 و338، التي أكدت جميعها مبدأ الأرض مقابل السلام، ورفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
المسيحية الفلسطينية… الشاهد الحي
إن المسيحيين الفلسطينيين ليسوا جالية طارئة، بل هم أبناء هذه الأرض منذ فجر المسيحية، وشهود أحياء على عمقها التاريخي. من كنيسة القيامة في القدس إلى كنيسة المهد في بيت لحم، يتجسد الحضور المسيحي الفلسطيني بوصفه جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية.
ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي يضطلع به الدكتور رمزي خوري، الذي يخوض معركةً فكريةً وأخلاقيةً لا تقل شأناً عن معركة الرصاص. إنها معركة الدفاع عن الرواية، عن الجذور، عن صورة الله كما أعلنها المسيح: صورة إله المحبة لا إله الإبادة، إله العدالة لا إله الإقصاء.
نداء إلى العالم المسيحي والإسلامي
إنني أضم صوتي إلى صوت اللجنة الرئاسية العليا، وأدعو الكنائس العالمية إلى التحرك لنصرة إخوتهم في فلسطين، دفاعاً عن الوجود المسيحي الأصيل في الأرض التي شهدت الميلاد والقيامة. كما أدعو القوى الإسلامية إلى حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس والأقصى وبيت لحم، لأن الدفاع عن هذه الأرض هو دفاع عن قيم العدالة والكرامة الإنسانية.
كلمة وفاء
في الختام، أتقدم بالشكر والتقدير العالي للدكتور رمزي خوري على مواقفه الوطنية الصادقة. لقد أثبت أنه عنوان للثبات، ورمز للعدالة والسلام، ومدافع أمين عن المقدسات المسيحية والإسلامية في وجه خطابٍ يسعى إلى تشويه الدين وتسخيره لأهداف دنيوية.
ستبقى يا دكتور رمزي خط الدفاع الأول عن المسيحية الفلسطينية، وسنبقى معك جنباً إلى جنب، إخوةً في النضال، شركاء في الوطن، وأمناء على المصير الواحد.
دمتم بخير…
والسلام على فلسطين، أرض المحبة والسلام.






