تميم البرغوثي بين الشعر والسياسة: هل نحن أمام شاعر مقاومة أم مفكّر جيوبوليتيكي؟

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

يصعب قراءة خطاب تميم البرغوثي في اللحظة الفلسطينية الراهنة بوصفه مجرّد تعبير عاطفي أو انفعالٍ شعريٍّ إزاء مأساةٍ تاريخية مستمرة؛ فالرجل لا يتحدّث من موقع الشاعر الذي يواسي الخراب بالكلمات فحسب، بل من موقع المثقّف الذي يحاول إعادة تركيب فهمٍ شامل للصراع: تاريخياً، وسياسياً، وقانونياً، ونفسياً. ولذلك فإنّ خطابه الأخير يكشف تحوّلاً لافتاً من «شاعر القضية» إلى «محلّل بنية الصراع».
أولاً: من شعر المقاومة إلى عقلنة المقاومة
نشأ البرغوثي في تقاطع نادر بين التجربة الشعرية والتراث السياسي الفلسطيني؛ فهو ابن مدرسةٍ ثقافية ترى الشعر أداة معرفة لا زينة لغوية. وفي هذا السياق يبدو امتداده واضحاً لخطّ شعري بدأ مع محمود درويش، غير أنّ الفارق الجوهري أنّ درويش جعل من القصيدة وطناً رمزياً، بينما يميل البرغوثي إلى تحويل القصيدة نفسها إلى تحليل سياسي.
فهو لا يكتفي بتجسيد الألم الفلسطيني، بل يسأل: كيف يُدار هذا الألم؟ ومن يستثمره؟ وكيف تُبنى موازين القوة حوله؟
ومن هنا تظهر نزعة «عقلنة المقاومة» في خطابه؛ إذ لا يطرحها بوصفها انفجاراً عاطفياً، بل ظاهرة تاريخية مرتبطة بالاحتلال وبقانون القوة في العلاقات الدولية.
ثانياً: أثر الدراسات الأكاديمية في خطابه
تكوّن البرغوثي أكاديمياً داخل بيئات بحثية غربية، وهو ما انعكس بوضوح على طريقته في قراءة الأحداث. فهو كثيراً ما يستخدم مفاهيم القانون الدولي، والسرديات الاستعمارية، وتوازنات الإمبراطوريات.
هنا يمكن ملاحظة تقاطع واضح مع أفكار إدوارد سعيد، خاصة في نقد السردية الغربية المهيمنة. فكما رأى سعيد أنّ السيطرة تبدأ بالخطاب قبل السلاح، يركّز البرغوثي على معركة الرواية الإعلامية واللغة السياسية بوصفها جزءاً من الحرب نفسها.
إنه يعتقد أنّ خسارة الفلسطينيين كثيراً من المعارك التاريخية لم تكن عسكرية فقط، بل سردية أيضاً؛ أي في كيفية تعريف العالم لما يجري.
ثالثاً: فلسطين بوصفها سؤالاً كولونيالياً
في قراءاته الأخيرة، يضع البرغوثي الصراع ضمن سياق أوسع من الحدود الجغرافية، معتبراً أنّه امتدادٌ لتاريخ الاستعمار الاستيطاني. وهذه المقاربة تقترب من تحليل المفكّر الثوري فرانز فانون الذي رأى أنّ الاستعمار ليس احتلال أرض فقط، بل إعادة تشكيل الإنسان نفسياً وثقافياً.
فالبرغوثي يركّز على مسألة «تفكيك المجتمع الفلسطيني» عبر الحصار والانقسام والسيطرة الاقتصادية، لا باعتبارها نتائج عرضية، بل أدوات استراتيجية.
ومن هنا نفهم دفاعه المتكرر عن بقاء القدرة الفلسطينية على الفعل السياسي والعسكري؛ إذ يرى أن نزعها يعني تثبيت واقع الهيمنة لا إنهاء الصراع.
رابعاً: الواقعية السياسية في مقابل الخطاب الأخلاقي
من أبرز سمات خطابه الراهن ابتعاده عن الخطاب الأخلاقي المجرد. فهو لا يراهن كثيراً على الضمير الدولي، بل على تغيّر موازين القوة.
إنه يشير مراراً إلى أنّ القانون الدولي لا يعمل بمعزل عن القوة السياسية، وأنّ التاريخ الحديث مليء بقرارات أممية لم تغيّر الواقع لأنّ ميزان القوة لم يتغيّر.
وهذه الرؤية تذكّر بمنهجية المؤرخ الاجتماعي ابن خلدون الذي ربط قيام الدول وسقوطها بالعصبية والقوة لا بالمبادئ المجردة وحدها. فالبرغوثي يرى أنّ العدالة تحتاج إلى قوة تحميها كي تتحقق.
خامساً: نقده للعالم العربي والنظام الدولي
لا يوجّه البرغوثي نقده إلى الخارج فقط، بل إلى الداخل العربي أيضاً. فهو يميّز بين «المزاج الشعبي» المتضامن و«الحسابات الرسمية» المقيدة بالمصالح الدولية.
وفي هذا السياق يحاول إعادة تعريف دور الشعوب في السياسة، معتبراً أنّ التحوّلات الكبرى تاريخياً لم تبدأ من الحكومات بل من الضغط الاجتماعي والثقافي طويل الأمد.
سادساً: الشعر كأداة تعبئة معرفية
على الرغم من حضوره السياسي الواضح، لا يتخلّى البرغوثي عن الشعر، بل يستخدمه بطريقة مختلفة: القصيدة عنده ليست هروباً من السياسة بل إعادة صياغتها إنسانياً.
إنه يكتب ليعيد تشكيل الحسّ الجمعي، لأنّ السياسة ـ في نظره ـ لا تنتصر بالخطط فقط، بل بالخيال أيضاً؛ فالإنسان يقاتل دفاعاً عمّا يستطيع تخيّله ممكناً.
خلاصة: مفكّر مقاومة أم شاعر؟
يمكن القول إنّ البرغوثي يجمع بين ثلاث شخصيات في آن واحد:
شاعر يحافظ على الذاكرة الرمزية الفلسطينية.
مثقّف نقدي يفكّك الرواية الدولية للصراع.
محلّل سياسي يقرأ موازين القوة بواقعية صارمة.
ولهذا فإنّ حضوره اليوم لا يُفهم ضمن تقليد الشعر السياسي فقط، بل ضمن ظاهرة أوسع: تحوّل الشاعر العربي إلى فاعلٍ معرفيّ في المجال الجيوبوليتيكي، حيث تصبح القصيدة خطاباً، والخطاب استراتيجية.