لم يكن وليد عسّاف مجرد مسؤول أو وزير أو قائد ميداني؛ كان مدرسة وطنية متكاملة، ورمزًا من رموز الصدق النادر في زمن تتزاحم فيه الشعارات وتقلّ فيه المواقف. كان رجلًا من طينة الأرض التي أحبها، ومن روح القضية التي عاش لها، ومن وجع الناس الذين حمل همّهم في قلبه قبل أن يحمله في موقعه.
عرفته فلسطين مناضلًا في الميدان قبل أن تعرفه وزيرًا في الحكومة، وعرفته الجبهات والمزارع والقرى والبلدات قبل أن تعرفه المكاتب والمنابر. كان صوته عاليًا في وجه الجدار والاستيطان، صلبًا أمام آلة الاحتلال، واضحًا لا يعرف الالتواء ولا المساومة. لم يخف إلا على فلسطين، ولم يساوم إلا على ما يحفظ كرامتها وحقوق شعبها.
في وزارة الزراعة كان وليد عسّاف وزيرًا للفلاحين قبل أن يكون وزيرًا للحكومة. فتح أبواب المؤسسات للمزارعين، ودافع عن الأرض كقضية وجود لا كملف إداري، وآمن أن شجرة الزيتون هي خط الدفاع الأول عن فلسطين، وأن الفلاح هو الجندي الأول في معركة الصمود. لم تكن الزراعة لديه قطاعًا اقتصاديًا فقط، بل مشروع مقاومة متجذّر في التراب والتاريخ.
وفي هيئة مقاومة الجدار والاستيطان كان رجل المواجهة اليومية، حاضرًا في القرى المهددة، في الخيم، في الاعتصامات، في الحقول التي يحاصرها الجدار، وفي القرى التي ينهشها الاستيطان. لم يكتفِ بالخطاب، بل كان جسدًا يقف أمام الجرافة، وصوتًا يقف أمام الرواية الصهيونية، وموقفًا لا ينكسر أمام الضغط السياسي أو الأمني.
كان وليد عسّاف إنسانًا قبل كل شيء. متواضعًا، قريبًا من الناس، يسمع لهم ويشعر بهم ويشاركهم همومهم. لم تفصله المناصب عن أصدقائه ولا عن رفاق دربه، وظل وفيًا لذكريات الدراسة والنضال والميدان، وفيًا للأصدقاء الذين سطر معهم أجمل أيام العمر، من باكستان إلى بيروت إلى أرض الوطن.
رحيل وليد عسّاف ليس فقدان رجل فحسب، بل فقدان نموذج. فقدان رجل جمع بين الفكر والميدان، بين المسؤولية والتواضع، بين الوطنية والإنسانية. خسارته موجعة لفلسطين، وموجعة لكل من عرفه عن قرب، لكن أثره لن يرحل، وسيرته ستبقى، وأعماله ستظل شاهدة على أن في هذا الوطن رجالًا لا يرحلون حقًا، بل يتحولون إلى ذاكرة وطن وإلى ضمير قضية.
سلام عليك يا أبا علاء،
سلام على روحك التي بقيت وفية لفلسطين حتى آخر نبض،
وسلام على ذكراك التي ستظل حاضرة في كل شجرة زيتون، وكل حقل صامد، وكل طفل يتعلم أن الأرض لا تُباع ولا تُنسى






