من الهراء محاولة تزوير الحقيقة الواضحة وضوح الشمس، ومن غير المنطقي مجادلة الأحمق المصاب بداء الانحياز التام، ومن غير المعقول تدليس الحقائق بهذا الشكل الذي جاء به سفير أمريكا مايك هاكابي، وبدلًا من أن يكون دبلوماسيًا يزن الكلام قبل قوله، خرج كالأحمق يُدلي بترهات الكلام، في محاولة استرضاء اليمين المتطرف وحكومة الاحتلال، ولعل الأمر المحزن هو هذه المواقف الخجولة، سواء الدولية أو العربية، التي راوحت كالعادة بين التنديد والشجب وبيانات الإدانة.
سلوك أمريكي واضح وفاضح، وإن كانت السياسة الأمريكية مغايرة، فكان عليها أن تخرج وزارة الخارجية الأمريكية لاستنكار ما قاله سفيرها في تل أبيب، إلا أن الأمر يثبت من جديد تورط السياسة الأمريكية الخارجية بكل ما حدث ويحدث، وهي تتفق مع سياسات الاحتلال، ولا تكترث لكل الأصوات المنددة، ولا تقيم وزنًا لأحد.
المثير في هذه التصريحات أنها تمنح الاحتلال المزيد من الضوء الأخضر ليواصل عمليات الاستيطان والضم والتهويد، وأن يمضي في سياساته العنصرية التي تتعارض مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ومواثيقها، كما أن الاحتلال سوف يتخذ من مثل هذه التصريحات غطاءً لكل ممارساته، وسدًا يحتمي خلفه من الهيئات الدولية والأممية، برغم أن ما قاله مايك هاكابي لا يتعدى كونه دفقة من الأكاذيب، واجتزاءً لسرد ديني ودفعه في سياقات سياسية، وهو أمر غاية في الخطورة وخطوة متقدمة في الدعم الأمريكي لسردية عنصرية تقوم على التطهير العرقي والاحتلال.
ادعاء باطل قدمه السفير الأمريكي، واضح وفاضح، لكن مستوى الرد العربي والدولي دون الحد المطلوب، وهذا يعطي الاحتلال فرصة تلو الأخرى في التمادي والتعدي وضرب القرارات الدولية، الأمر الذي يدفع الضفة نحو الانفجار، وهذا ما يسعى له الاحتلال من خلال جملة السياسات والعمليات التي يقوم بها، لإثارة غضبة الضفة والقدس، وبالتالي يكون بإمكانه تصعيد عملياته الرامية إلى التهجير والإبادة.
تصريحات مايك هاكابي في هذا الوقت تمثل درجة عالية من الانحياز وأكذوبة كبرى تحاول تزوير البلاد وحق العباد، ولعلنا في العامين الأخيرين بتنا لا نستغرب مثل هذه الأكاذيب وهذا الانحياز، وقد شهدنا ما هو أكبر من ذلك خلال حرب الإبادة في غزة، وما يحدث هذه الأيام عبر مخيال أوهام الانتداب والوصاية ومزاعم مجلس السلام، تحت ذرائع بسط الاستقرار وإعادة الإعمار.
في قصيدته الشهيرة التي كتبها بعد حصار بيروت عام 1982 وحملت اسم مديح الظل العالي يقول محمود درويش:
هيروشيما هيروشيما
وحدنا نُصغي إلى رعْد الحجارة؛ هيروشيما
وحدنا نُصغي لما في الروحِ من عبثٍ ومن جدوى
وأمريكا على الأسوارِ تهدي كلّ طفل لعبةً للموتِ عنقوديَّةً
يا هيروشيما العاشقِ العربي أمريكا هي الطاعون والطاعونُ أمريكا
نعسنا، أيقظتنا الطائرات وصوتُ أمريكا
وأَمريكا لأمريكا..





