الخطاب الإسلامي في سوريا بين التوحيد والتبديد

د. محمد عناد سليمان

كاتب وباحث اجتماعي

عُقد في دمشق مؤتمر وحدة الخطاب الإسلامي، وهو مؤتمر ذو أهميَّة كبرى؛ حيث تنبعُ أهميَّتهُ من أمورٍ ثلاثة: أوَّلها: التحوّل الكبير الذي تعيشه الدولة السورية الجديدة، على جميع الأصعدة، في إشارة واضحة إلى أنَّ الدَّولة السوريَّة تدرك جيِّداً الأبعاد الاجتماعيَّة والسياسيَّة النَّاجمة عن اختلاف وتباين الخطاب الإسلامي في الدول الإسلاميَّة عامَّة، وفي سوريا خاصَّة.

ثانيها: أنَّ هذا المؤتمر يعدُّ المؤتمر الأوَّل الذي تعقده وزارة الأوقاف في الحكومة السوريَّة، تنبيهاً على دور هذه الوزارة في تقليص وتحجيم النَّتائج المترتبة على تباين الخطاب الإسلامي المستمَدّ من تنوّع المذاهب، وتعدُّد المشارب، وتشعُّب الآراء.

الثالث: أنَّ المؤتمر كما أشار الشيخ عبد الرحيم عطون مستشار الرئاسة للشؤون الدِّينية (يعدُّ مساحة لحوارٍ علميٍّ الخطاب الإسلامي في سوريا بين التوحيد والتبديد مسؤول، يؤكد على المشتركات، ويضبط مساحة الاختلاف، ويضع أسساً علميّة لتوحيد الخطاب في القضايا الكُبرى التي تمسّ الدولة والمجتمع).

ولا شكَّ أنَّ توحيد الخطاب الدّيني في سوريا التي عانت من الانقسام السياسي والطّائفي خلال السنوات الماضية، وفي ظلِّ جوارها لبلدان ما زالت تعاني من نزاع طائفيّ مستمرٍّ ستكون له ثمرات إن وجد هذا الخطاب طريقه إلى النَّور والتَّنفيذ، ويأتي في مقدمتها:

تعزيز الوحدة الوطنيَّة، لأنَّ الخطاب الإسلامي الموحَّد والمعتدل، الذي يستندُ على القيم الإنسانية المشتركة كالعدالة والرّحمة والتَّعايش سيخفف من دون أدنى شكٍّ من الانقسامات بين المذاهب والتيارات، ويسهم إسهاماً كبيراً في ترسيخ الشعور بالانتماء الوطني، ويجعلُهُ مقدَّماً على الانتماءات الضّيّقة الأخرى.
الحدُّ من التطرُّفُ؛ إذ إنَّ وجود خطابٍ موحّدٍ ومعتدلٍ وواضحٍ – الذي هو ضرورةٌ ملحّة- يضعف من تأثير الأفكار المتطرِّفة والمتشدِّدة، وتحصن الشباب والشّواب السوريّين فكرياً منها، بخلاف الخطاب المتعدد والمتباين الذي يصل إلى حدٍّ التعارض والتّضارب أحياناً الذي يفتح المجال أمام الأفكار المتشدّدة، ويسهّلُ انتشارها في المجتمع.
دعم الاستقرار المجتمعي؛ إذ إنَّ الخطاب الموحَّد الذي يدعو إلى السلم الأهلي يدفع باتجاه تخفيف الاحتقان الاجتماعي، ويشجّع على المصالحة وإعادة بناء الثقة بين مكوّنات المجتمع.
توجيه العمل الدّعوي بشكل فعّالٍ، حيث ستتفق المرجعيَّات الدّينيَّة على أولويّات واضحة، وخدمات مهمة، كالتّعليم، ومكافحة الفقر، وإصلاح الأسرة، ومعالجة كثير من قضايا المجتمع، ويتحوَّل العمل الدَّعوي إلى عاملٍ مؤثِّرٍ وأكثر تنظيماً وفعّاليَّة.
تعزيز صورة الإسلام عالمياً، لا سيّما بعد ما شهدته سوريا من صراعات ونزاعات ذات منشأ دينيّ، ليأتي الخطاب الإسلامي الموحَّد والمتّزن ليعكس قيم الوسطيَّة والاعتدال، الأمر الذي يساعد بشكل مؤثّر وفعّال في تصحيح الصورة النمطيَّة عن الإسلام الذي ارتبط في كثير من البلدان بالعنف.
لكن في الوقت نفسه يجب أن يكون توحيد الخطاب الإسلاميّ قائماً على الحوار والتَّوافق، لا على الإقصاء، أو فرض رأي واحدٍ بالقوَّة؛ لأنَّ التَّنوع الفقهي والفكريّ جزءٌ أصيلٌ من التّراث الإسلامي. ولا شكَّ أنَّ مهمة توحيد الخطاب الإسلامي ستواجه تحديَّاتٍ كبرى، لا سيّما أن سوريا تضمُّ كما أشار السيد وزير الأوقاف مدارس فقهيَّة وتيارات فكرية متعدِّدة، وقد يُساء فهم الغاية فتتحوَّل من توحيد الخطاب إلى تهميش التنّوع المذهبي والفكري.

الأمر الذي يؤدي إلى إقصاء اجتهادات مشروعة، وإضعاف ثراء التراث الإسلامي، وثمَّة خشية من استخدام توحيد الخطاب كأداة من أدوات السّلطة السياسية لتبرير بعض السياسات الخاصَّة، مما يضعف استقلاليّة العلماء والدعاة، ويقلل من ثقة المجتمع بالمؤسسات الدِّينية، فتكون النّتائج بعكس ما أُريد لها، إضافة إلى أنَّه قد يكون الخطابُ الموحَّد شكلياً، أو مفروضاً من أعلى دون حوارٍ مجتمعيٍّ، فيضطّر بعضهم إلى اللجوء إلى مصادر غير رسميَّة أو غير منضبطة وربما تكون متشدّدة.

لكن ما يبدِّد هذه المخاوف ما نصَّ عليه الشيخ عطون مستشار الرئاسة للشؤون الدّينية، حيث أكَّد ضرورة (انتقال المؤسسات الدّينية من حال الجماعات المتفرقة إلى حال الانخراط الواعي في مشروع الدّولة، وبما يحقق غايات الدّعوة، بحيث تندمج المشاريع الدعويّة العلمية والتربوية ضمن إطار خارطة الدينية التي ترسمها الدولة وترعاها من دون أن تفقد استقلالها العلمي أو أن تتحول إلى مجرد أذرع تنفيذيَّة).

ويبقى المجال مفتوحاً أمام أسئلة قد تشكّل التَّحدي الأكبر في تأسيس خطابٍ إسلاميٍّ موحد، ومنها، هل يمتلك (رجال الدّين) الذين اعتادوا على الخطاب التَّقليدي والمتأثر بالمدرسة أو التيّار الكفاءة اللازمة لتوحيد الخطاب؟ وهل يمكنهم حقاً الانتقال من حيّز المذهب أو المدرسة أو التيّار إلى حيّز الجماعة الواحدة؟

وهل ستتأثر المرجعيَّات الجزئيَّة المختلفة في ظلّ الانصهار في المرجعيَّات الكليَّة الجامعة؟ وهل ستتفقّ على الثّوابت الكبرى، كنبذ العنف، وتعزيز السلم الأهلي، واحترام التنوّع مع الإبقاء على مساحة للاجتهاد والتنوّع؟ وما هو الضَّامن لئلا يتحوّل الاختلاف والاجتهاد الذي هو ثراء علميٌّ إلى تنازع في الخطاب، أو تضاد في المرجعية، الأمر الذي يؤدي إلى فتح الباب أمام انحرافات في الفهم والتأويل، واهتزاز الثقة بالمؤسسة الدينية؟

عن صحيفة الثورة السورية