الميكرو دراما السورية في رمضان.. مسلسلات الـ90 ثانية في سوق المليارات

السياسي –

في تطور كبير ومفاجئ، دخلت الدراما السورية مرحلة جديدة خلال موسم رمضان 2026، تواكب بها التحولات العالمية في صناعة المحتوى، عبر صيغ إنتاجية مرنة تتيح فرصاً أوسع للمواهب الشابة وتتفاعل مع الجمهور الرقمي، وتبدو مرشحة لتكون مساراً مكملاً للدراما التلفزيونية التقليدية لتعزز حضورها في فضاء المشاهدة الحديثة.

وتزامناً مع المنافسة الحادة التي يشهدها الموسم، برزت مسلسلات “الميكرو دراما” بوصفها المفاجأة الأبرز في خريطة دراما رمضان السورية هذا العام، وهي نمط درامي يعتمد السرد القصير المكثف، بإيقاع سريع، يجذب جمهور المنصات الرقمية من خلال حلقات لا تتجاوز بضع دقائق.

في هذا السياق، شكلت أربعة أعمال العنوان الأوضح لهذا التحول ضمن مسلسلات الموسم الرمضاني الحالي، وهي “ابن الحارة”، و”بيت نجيب”، و”بيت الأحلام”، و”صراع الملكة والمنتقم”.

دقيقة ونصف.. مدة الحلقة الواحدة

يبرز مسلسل “ابن الحارة” كأول عمل بيئة شامية يُنتج بصيغة “الميكرو دراما”، وهو من إخراج إياد نحاس، وبطولة فراس إبراهيم وبلال مارتيني، وحسام الشاه، وعلي كريم، ومصطفى المصطفى وسوزان سكاف وبسام دكاك.

يتألف المسلسل من 60 حلقة، مدة كل منها نحو دقيقة ونصف فقط، في مغامرة فنية تسعى إلى اختبار مرونة البيئة الشامية ضمن إيقاع معاصر. تدور الأحداث حول “فارس”، الشاب الذي يعود إلى حارته بعد سنوات من الغياب لاستعادة حقه وحق عائلته، لتشتعل المواجهة مع المختار، الرجل النافذ في الحارة، غير أن الصراع يتعقّد حين تقع ابنة المختار في حب خصم والدها.

مسلسلات قصيرة جداً تلائم العالم الرقمي

تزامن ظهور مسلسلات “الميكرودراما” مع التطور الرقمي الذي يشهده العالم، وفي ظل انتقال الترفيه من الشاشة الكبيرة إلى الشاشة الصغيرة على شكل مسلسلات قصيرة.

تتكون هذه المسلسلات من عدة أجزاء، وهي مصممة خصيصاً للمشاهدة عبر الهاتف المحمول، أي أنها مصورة بالكامل بشكل عمودي، وتخلق شعبيتها المتزايدة فرصاً جديدة في صناعة الترفيه، بحسب ذا ويك.

6.9 مليار دولار إيرادات في الصين.. و1.4 مليار في أمريكا

نشأت هذه المسلسلات القصيرة في الصين، حيث تُعرف باسم “دوانغو”، وهناك، حققت نجاحاً باهراً، إذ تجاوزت إيراداتها 6.9 مليار دولار في عام 2024، وقد دفع هذا النجاح الولايات المتحدة إلى فتح أبوابها أمام هذه الأفلام القصيرة، التي حققت إيرادات بلغت 1.4 مليار دولار في عام 2025.

من جانبها، وصفت مجلة “هيلو!” هذه الأعمال القصيرة بأنها “مناسبة تماماً لفترات انتباه مستخدمي الإنترنت القصيرة اليوم”، مُضيفةً: “عادةً ما تُقسّم إلى حلقات مدتها دقيقة واحدة، مصممة للمشاهدة على الهواتف الذكية، مما يعكس طريقة استهلاكنا لمحتوى منصات مثل تيك توك وإنستغرام”.

تُشبه المسلسلات القصيرة المسلسلات الدرامية الطويلة، إذ تركز على الحبكات الشائعة والمشاهد الدرامية المبالغ فيها.

قد تصل مدتها الإجمالية إلى مدة فيلم روائي طويل، لكنها مقسمة إلى 80 جزءاً، وغالباً ما تنتهي بنهايات مفتوحة، مما يدفع المشاهدين إلى متابعة المسلسل كاملًا دفعة واحدة”.

منصات وتطبيقات متخصصة

بينما تنتشر هذه المقاطع القصيرة على منصات مثل تيك توك وإنستغرام، تزداد شعبية منصات مثل “ريل شورت” و”دراما بوكس” ​​كتطبيقات متخصصة في المسلسلات القصيرة جداً “الميكرودراما”.

ويمكن أن تكون هذه المنصات مربحة للغاية، فبينما تكون الحلقات القليلة الأولى مجانية للمشاهدة عادةً، يصبح الاشتراك مدفوعاً عند الرغبة في مشاهدة المزيد.

وقد تصل تكلفة المشاهدين إلى ما بين 10 و20 دولاراً أسبوعيًا، أو ما يصل إلى 80 دولاراً شهرياً. ويُعتبر إنتاج المسلسلات القصيرة جداً أقل تكلفة، إذ يعتمد على “ممثلين غير معروفين، وميزانيات محدودة، وجداول إنتاج سريعة لإنتاج محتوى يجذب ملايين المشاهدين ويدرّ أرباحاً طائلة”.

التاج الثلاثي لمستقبل صناعة الترفيه الحديثة

من جانبه، قال توم بولوس، مدير قسم الفنون الإبداعية في جامعة جنوب كاليفورنيا، لشبكة “إن بي سي نيوز”، إن المسلسلات القصيرة جداً بمثابة “التاج الثلاثي” لصناعة الترفيه الحديثة؛ كونها تُناسب المجتمع، وتُحقق ربحاً مُجزياً، وتعتمد على البيانات، وهو ما يُريده الجميع.

وقد دفعت الأرباح المُحتملة للمسلسلات القصيرة مجلس مدينة لوس أنجليس إلى التصويت على دراسة إمكانية تقديم دعم مالي بقيمة 5 ملايين دولار لإنتاجها.

يلفت “بولوس” إلى أن العديد من استوديوهات التسجيل الصوتية الفارغة في هوليوود، والعديد من مساحات الاستوديوهات الفارغة أيضاً، من المحتمل أن تتحول إلى مختبرات لإنتاج المسلسلات القصيرة، وهذا من شأنه أن يُساهم بشكل كبير في دعم اقتصاد لوس أنجليس.

وعلى الرغم أن المسلسلات القصيرة جداً – حتى الآن – تعمل خارج أطر نقابات الممثلين، ما يعني أنها لا تلتزم دائماً بالقواعد المهنية المتعلقة بالأجور وساعات العمل والحماية القانونية، لكن هذا الوضع قد يشهد تحولًا قريباً، إذ يعمل أحد الاستوديوهات في لوس أنجليس على إنتاج مسلسل قصير جداً بالتعاون مع نقابة ممثلي الشاشة (SAG-AFTRA)، ويشارك فيه ممثل مرشّح لجائزة الأوسكار.

وبحسب تصريح المدير التنفيذي الوطني للنقابة، دنكان كرابتري-أيرلندا، فإن هذه الخطوة قد تُحدث تأثيراً أوسع في صناعة السينما والتلفزيون، لأنها تُثبت أن الأشكال الجديدة والسريعة من الدراما يمكن أن تحقق مستوى فنياً عالياً، وفي الوقت نفسه تحافظ على معايير عمل عادلة ومهنية تحمي الممثلين والعاملين في القطاع.