حين تتحول البديهيات إلى بطولات

بقلم : شادي عياد

أقسم بالله أنني أعتذر ،أعتذر لأنني أكتب للمرة الثانية في يوم واحد لا بدافع الترف بل بدافع القهر. أعتذر لأن وزراءنا الأفذاذ الذين رزقنا الله بهم يملكون قدرة خارقة على إجبار الحجر على النطق والميت على الاحتجاج والصامت على الانفجار.

فبعد أن أكرمني الله صباحًا بالاستماع إلى درر التصريحات الثورية لمعالي وزير المالية السيد اصطيفان سلامة، شاءت الأقدار أن تكرمني مساءً بإطلالة بهيّة أخرى ولكن هذه المرة من على منبر مقر الأمم المتحدة في جنيف لمعالي وزيرة الخارجية والمغتربين الفلسطينية معالي السيدة الفاضلة فارسين اجابيكان المحترمة والتي تفضّلت علينا باكتشاف مذهل مفاده أن ما يتعرض له (أهلنا) في غزة هو إبادة جماعية وتهجير قسري.

يا سلام! يا له من كشف تاريخي يا له من عمق سياسي خارق يا له من وعي استثنائي جاءنا بعد أكثر من عامين من المجازر ومن على أحد أرفع المنابر الدولية.

من كان يتوقع؟ من كان يظن؟ من كان يتخيل أن القتل الجماعي والتجويع والحصار والتهجير وتدمير المدن فوق رؤوس ساكنيها يمكن أن يُصنّف إبادة جماعية؟

يا الله، كم نحن محظوظون بهذا المستوى من العبقرية السياسية.

ثم تقول لنا معاليها: (أهلنا) في غزة. وأقف هنا لا ساخرًا بل موجوعًا وأسأل: من هم “أهلنا” يا معالي الوزيرة؟ غزة ليست جالية وغزة ليست مخيمًا في دولة بعيدة غزة ليست طرفًا آخرًا في معادلة فلسطين .

غزة هي الشعب الفلسطيني وهي القلب وهي الروح هي البوصلة وهي الذاكرة وهي الدم الذي يسري في شرايين هذه القضية.

من هم في غزة ليسوا أهلنا فقط يا صاحبة المعالي هم نحن.

ولا يفصل بيننا وبينهم سوى سوادين: سواد الانقسام القذر والنفاق السياسي الذي صنعه الإخوان الشياطين وخدم به الاحتلال وسواد الاحتلال ذاته.

يا معالي السيدة الفاضلة فارسين اجابيكان حين تقولين إن ما يجري في غزة هو إبادة جماعية فاعلمي أن أطفال غزة عرفوا ذلك منذ اليوم الأول وأن أمهات غزة نطقن بهذه الحقيقة منذ أول كفن وأن آباء غزة فهموا ذلك منذ أول جثة انتُشلت من تحت الركام.

نحن لا نحتاج منكم يا صاحبة المعالي توصيفًا لغويًا للموت ولكن نحتاج إن أمكن إلى موقفًا سياسيًا يوقفه.

لا نحتاج بيانات بل نحتاج إلى قرارات.

لا نحتاج إلى توصيف الجرائم بل نحتاج الى أدوات لمواجهتها.

ولا نحتاج شجاعة خطابية بهذا العمق السياسي الرهيب بل نحتاج فقط إلى شجاعة فعل.

يا أمة الله يا ناس يا بشر ارحمونا.

ارحمونا من هذا الأداء “المبهر”. ارحمونا من هذه البطولات الجبارة والخارقة. ارحمونا من تحويل المأساة إلى خطاب في قاعة فخمة.

نحن لا نعيش مسرحية يا ناس يا بشر، نحن نعيش مذبحة.

ولا نخوض تمرينًا دبلوماسيًا يا أفذاذ الأمة بل نحن نخوض معركة وجود.

ومرة أخرى أعتذر كثيرًا ، أعتذر لأنني لم أستطع ضبط نفسي وأعتذر لأنني اضطررت أن أكتب عن صاحبة معالي أخرى من أصحاب المعالي الأفذاذ.

لكن حين يصبح الصمت خيانة تصبح الكتابة فرض عين .
سامحوني

بقلم : شادي عياد