على تخوم المعنى: أزمة الثقافة العربية بين عطب المفهوم وضرورة النقد:

بقلم: عماد خالد رحمة — برلين.

ليست أزمة الثقافة العربية المعاصرة أزمة إنتاجٍ معرفي بقدر ما هي أزمة وعيٍ بكيفية التفكير ذاته؛ أزمة في طرائق تلقّي الأفكار قبل أن تكون أزمة في الأفكار نفسها. فالثقافة التي تمتلك إرثاً حضارياً عميقاً وممتداً عبر قرون من الإبداع الفلسفي والعلمي والروحي، تجد نفسها اليوم مأزومة في علاقتها بمفاهيمها، متردّدة بين التقديس الدفاعي للموروث وبين الارتهان الانبهاري للوافد، وكأنها فقدت القدرة على مساءلة ذاتها دون خوفٍ من الانهيار أو اتهامٍ بالخيانة.
إن إحدى أخطر مظاهر هذا العطب تتمثّل في غياب النقد بوصفه فعلاً معرفياً تأسيسياً. فالنقد، في المخيال الثقافي العربي، إمّا يُستقبل باعتباره أداة هدمٍ وتخريبٍ للنصوص والرموز، وإمّا يتحوّل إلى سلاحٍ سجالي موجَّه إلى الآخر وحده بوصفه «مصدر الداء» و«سبب المحنة». وفي الحالين معاً يُعطَّل جوهر النقد الحقيقي: أي مساءلة الذات وكشف بنياتها العميقة. ذلك أن النقد حين يتوجّه إلى الداخل لا يهدف إلى تقويض الهوية، بل إلى تحريرها من أوهامها، وإظهار أمراضها المستترة التي تنفر الثقافة من مواجهتها لأنها تهدّد مناطق الطمأنينة الزائفة فيها.
إن التعاطي الدفاعي والسجالي مع المفاهيم يجعل الفكر عاجزاً عن تفكيك طبقاته الدلالية، وعن إدراك تحوّلاته التاريخية وشروط انبنائه المعرفي. وحين تفقد المفاهيم تاريخيتها وتُعزل عن سياقاتها، يسقط العقل في ما يمكن تسميته عدمية إبستمولوجية؛ حالة يغيب فيها السؤال عن الأصل والمنهج والمعنى، ويتحوّل فيها التفكير إلى إعادة إنتاجٍ للعبارات لا إلى صناعة معرفة. هنا يصبح حقل إبستمولوجيا العلوم الإنسانية مرآةً لارتجاجٍ واسع مسّ بنية الثقافة والعلم والفكر في اللحظة المعاصرة.
واللافت أن النزعة العلمية، رغم ما شهدته من مراجعات نقدية عميقة عبر تاريخها الطويل، ظلّت تحتفظ بثقةٍ نسبية في بنيتها المنهجية. فالمراجعات لم تكن تستهدف العلم في ذاته، بل كانت تنصرف إلى تعديل المفاهيم والنظريات السائدة. وحتى الثورات العلمية الكبرى التي بدّلت نماذج التفكير جذرياً — أو ما أسماه توماس كوهن بالتحوّل البراديغمي — لم تُسقط فكرة العلم نفسها، بل أطاحت بالنظريات المهيمنة واستبدلتها بأخرى أكثر قدرة على تفسير الواقع.
لقد مثّلت الثورة الكوبرنيكية مثالاً صارخاً على ذلك؛ إذ غيّرت رؤية الإنسان للكون دون أن تهدم علم الفيزياء ذاته، بل ساءلت نموذج بطليموس الكوني تحديداً، وأعادت ترتيب العلاقة بين الإنسان والسماء. غير أن التحولات التي بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر، وتكثّفت خلال النصف الأول من القرن العشرين، تجاوزت هذا الحدّ؛ إذ لم تعد المساءلة موجّهة إلى نظرية بعينها، بل إلى أسس المفهوم العلمي نفسه.
هكذا نشأت ما اصطلح على تسميته «أزمة إدراك المفاهيم»، وهي أزمة لم تُعطّل حركة العلم ولا قدرته على الاكتشاف، لكنها زعزعت يقينه بذاته. فالعلم استمر في التقدّم، بينما أخذ أساسه الفلسفي يهتز. وقد لخّص إدغار موران هذه المفارقة حين أشار إلى أن عصرنا، في الوقت الذي يشيد فيه صروحاً هائلة من المعرفة، يغوص في أزمة عميقة تمسّ أسسها.
ومن هنا جاء الاختلاف بين قراءتين فلسفيتين بارزتين: قراءة إدموند هوسرل الذي رأى الأزمة تهديداً للعقلانية الأوروبية، وقراءة مارتن هايدغر الذي اعتبر أن التأزم لا يصيب الفعل العلمي ذاته، بل يقيناته المفهومية. فالممارسة العلمية لم تتوقف، لكن الثقة المطلقة بأساسها المنهجي تراجعت، وهو ما جعل القرن العشرين قرن السؤال عن المعنى بامتياز.
ولم تبق هذه الأزمة حبيسة الفلسفة؛ فقد ظهرت بوادرها في الرياضيات مع مفارقات نظرية المجموعات، ثم امتدّت إلى المنطق والفيزياء والبيولوجيا، فاهتزّت النماذج الاستنباطية والاستقرائية معاً. وبات العلماء يشعرون بأن المعرفة، رغم توسّعها، تحتاج إلى مراجعة نوعية تعيد تأسيس مفاهيم السببية والموضوعية والحتمية.
ولذلك لم يكن غريباً أن تشهد بدايات القرن العشرين حوارات فكرية واسعة شارك فيها علماء وفلاسفة من مشارب مختلفة، من بينهم ألبرت أينشتاين وفيرنر هايزنبرغ وكارل بوبر وبول فايرابند، حيث أعيد النظر في الاستقراء والسببية والموضوعية وحدود اليقين العلمي. كما استُحضرت تقاليد فلسفية أقدم، من النقد الهيومي لمفهوم السببية إلى الفلسفة النقدية الكانطية، بل وحتى التراث الرشدي والصوفي الإسلامي، بوصفه مخزوناً فكرياً قادراً على مساءلة العلاقة بين المعرفة والوجود.
إن أهم ما تكشفه هذه المسارات أن الهوية نفسها ليست جوهراً مغلقاً، بل سيرورة تاريخية مفتوحة على التحول. فالهوية الثقافية العربية — كما نظيرتها الغربية — لا تُصان بالانغلاق، بل بالتفاعل والتلاقح مع الآخر، وبإعادة قراءة الذات في ضوء أسئلة العصر. فالحقائق ليست معطيات أبدية بقدر ما هي مواضعات إنسانية هدفها إصلاح العالم وتعميره والارتقاء بالإنسان.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى تجاوز ثنائيات الخاص والعام حين تتحول إلى أدوات قطيعة داخل المجتمع، لأن الثقافة التي تفقد قدرتها على الحوار الداخلي تفقد قدرتها على الحوار مع العالم. إن مستقبل الفكر العربي لا يتحدد بكمية ما ينتجه من نصوص، بل بمدى شجاعته في مساءلة مفاهيمه، واستعداده للاعتراف بأن النقد ليس خطراً على الهوية، بل شرط بقائها حيّة وقادرة على المعنى.