كاتب كويتي
[email protected]
لقد أثار الإجراء الذي قامت به العراق مؤخراً، والمتمثل في إيداع إحداثيات وخرائط المتعلقة في منطقة خور عبد الله، لدى الأمم المتحدة، موجة واسعة من القلق والاستياء في بلدنا الحبيب.
وبينما قد يبدو هذا الإجراء في ظاهره خطوة إجرائية أو فنية، إلا أن توقيته ومضمونه وتداعياته السياسية والقانونية تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول أبعاده الحقيقية وانعكاساته على العلاقات الثنائية بين البلدين.
خور عبد الله ليس مجرد ممر مائي عابر، بل يمثل شرياناً حيوياً للكويت، سواء من الناحية الاقتصادية أو الاستراتيجية. فهو المنفذ البحري الذي يربط الموانئ الكويتية بالمياه الدولية، ويشكل ركناً أساسياً في حركة الملاحة والتجارة.
ومن هنا، فإن أي خطوة أحادية تتعلق بترسيم الحدود أو تثبيت إحداثيات من دون تنسيق وتوافق واضح مع الجانب الكويتي، تُنظر إليها في الكويت باعتبارها مساساً مباشراً بمصالحها السيادية.
اللافت أن ملف الحدود البحرية بين البلدين كان قد حُسم عبر قرارات دولية واتفاقيات سابقة، في أعقاب مرحلة عصيبة شهدتها المنطقة في تسعينيات القرن الماضي. وقد استندت تلك الترتيبات إلى قرارات دولية ملزمة هدفت إلى إنهاء النزاع وترسيخ الاستقرار.
وبالتالي، فإن إعادة طرح الإحداثيات أو إيداع خرائط جديدة لدى الأمم المتحدة يُثير التساؤلات من محاولة إعادة تفسير أو توسيع نطاق ما تم الاتفاق عليه سابقاً، ولو بشكل غير مباشر.
القلق الكويتي لا ينبع فقط من مضمون الإجراء، بل من سياقه السياسي أيضاً. فالمنطقة تمر بظروف دقيقة، والتوازنات الإقليمية تشهد تغيرات متسارعة.
وفي مثل هذه الأجواء، يُعد الحفاظ على وضوح وثبات الحدود مسألة تتعلق بالأمن الوطني بقدر ما تتعلق بالقانون الدولي.
ومن هذا المنطلق، ترى الكويت أن أي تحرك منفرد في هذا الملف الحساس يجب أن يتم عبر القنوات الثنائية، وبشفافية كاملة، تجنباً لسوء الفهم ولذلك، فإن أي خطوة يُفهم منها احتمال المساس بالسيادة أو الانتقاص من الحقوق البحرية تُقابل بردود فعل قوية بطبيعة الحال!.. سواء على المستوى الشعبي أو خلافه.
وهذا ما يفسر حدة الاستياء التي رافقت الإعلان عن إيداع الإحداثيات. في المقابل، لا يمكن إغفال أهمية العلاقة بين الكويت والعراق، والتي شهدت خلال السنوات الأخيرة محاولات جادة لتعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي، وفتح صفحة جديدة قوامها حسن الجوار والمصالح المشتركة.
غير أن هذه الجهود تبقى رهينة الالتزام الصارم بالاتفاقيات المبرمة، واحترام مبدأ عدم اتخاذ إجراءات أحادية في القضايا السيادية.
إن معالجة هذا الملف تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة والدبلوماسية الهادئة، لكن من منظور كويتي، فإن الخطوة العراقية الأخيرة تستوجب توضيحات رسمية وضمانات واضحة تؤكد عدم المساس بالحدود المعترف بها دولياً. فاستقرار المنطقة لا يتحقق إلا عبر الالتزام بالقانون الدولي، واحترام سيادة الدول، والتشاور المسبق في كل ما من شأنه التأثير على الأمن البحري والمصالح الوطنية.
وفي نهاية المطاف، يبقى الحفاظ على الحدود المرسّمة والمعترف بها دولياً حجر الزاوية في أي علاقة مستقرة بين البلدين، وأي إخلال بهذا المبدأ، حتى وإن كان في إطار إجراء إداري، كفيل بإعادة فتح ملفات كان يُفترض أنها أُغلقت إلى غير رجعة. والله الموفق.
ملاحظة حكمة سمو الأمير الشيخ مشعل الاحمد الجابر الصباح أمير الكويت وحنكة سمو ولي العهد الشيخ صباح الخالد الصباح ووزير الخارجية الشيخ جراح الجابر الصباح في العلاقة المميزة والمتميزة مع العراق ودبلوماسية الكويت الحكيمة.







