حين ترقص القطط السمان فوق جراح العدالة

بقلم: شادي عياد

في بلادٍ إذا ضحكت من شدة القهر حسبك الناس مجنونًا وإذا بكيت قالوا عنك مبالغًا فقررت أن أكتب لا لأجل التسلية بل لأجل النجاة من انفجار داخلي اسمه الواقع، واقع القطط السمان في أكبر قضية فساد عرفتها السلطة الوطنية الفلسطينية، قضية المعابر الفلسطينية، حيث الفساد كان أكبر من أن يُخفى وأوضح من أن يُنكر وأقبح من أن يُبرر.

قضية بحجم وطن، اعترافات مكتوبة ومسجلة وثائق دامغة لائحة اتهام وصلت إلى يد الجمهور فقرأها بدهشة وتمعن فيها بذهول ثم قال في نفسه: وأخيرًا وأخيرًا ستتنفس العدالة و أخيرًا ستنام الضمائر مطمئنة واخيراً يا ربي لك الحمد وأخيرًا ستدخل القطط السمان القفص الذي طال انتظاره.

لكن مهلاً…
ففي بلاد العجائب والأرض المروية بدم الشهداء لا شيء يسير كما ينبغي ولا شيء ينتهي كما يجب!!!!!!!

استفاق الجمهور من حلمه امس فوجد القطط السمان خارج الأقفاص لا بل خارج السجون لا بل في حفلات الرقص والاحتفال يضحكون يلوحون يلتقطون الصور ويتبادلون التهاني بإخلاء سبيل سريع وغريب وعجيب، حتى ليخيّل للناظر أن التهم كانت باقة ورد وأن الاعترافات كانت قصائد غزل وأن الوثائق كانت شهادات حسن سلوك.

وقف الجمهور مذهولًا فاغر الفم مشدوه العقل، يسأل باستعجاب يفوق قدرة التفكير: كيف؟ متى؟ لماذا؟ بأي منطق؟ وبأي ميزان؟ وبأي عدالة؟

ثم أجرى مقارنة بسيطة جدًا، مقارنة لا تحتاج إلى فقه قانون ولا إلى دكتوراه في القضاء مقارنة بين القطط السمان وناس بسطاء و بسطاء جدا حد الوجع، ارتكبوا جرائم أقل وأقل بكثير من القطط السمان فبقوا في التوقيف شهورًا وسنين وتحوّلت حياتهم وذويهم إلى انتظار طويل على أبواب المحاكم، بينما القطط السمان عبروا من باب التوقيف كما يعبر النسيم من بين الأصابع.

عندها لم يجد الجمهور جوابًا سوى ما قاله عادل إمام يومًا، فقالها بمرارة ممزوجة بسخرية:
وللقطط السمان حظوظ… نِيالهم، والحمد لله على سلامتهم والله.

نعم، حظوظ.
حظوظ في زمن انقرض فيه الحظ من جيوب الفقراء وتجمد في عروق المساكين وتبخر من أعمار الموظفين الذين يطاردون الراتب كما يطارد السراب.

حظوظ لأن لهم مفاتيح ولهم هواتف، ولهم أبواب تُفتح دون طرق ولهم جسور تُمد فوق القوانين ولهم مظلات لا يبللها مطر العدالة.

أما الجمهور الغلبان والموظف المسكين والمواطن الذي يسد رمق أولاده بالدَّين فلا حظ له إلا في الدعاء ولا نصيب له إلا في الانتظار ولا أمل له إلا في الصبر.

يا لها من مفارقة ساخرة، أن تتحول أكبر قضية فساد إلى عرض كوميدي مفتوح وأن يصبح إخلاء السبيل أسرع من كتابة محضر وأن يرقص المتهم بينما يتعثر العدل في طريقه.

لكن رغم كل هذا العبث، يبقى في هذا الوطن قضاة شرفاء ورجال قانون أنقياء وضمائر حية يعرفون أن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت، وأن الحق قد يُحاصر لكنه لا يُهزم وأن القطط السمان مهما رقصت فلن تستطيع أن ترقص فوق التاريخ طويلًا.

فالتاريخ لا ينسى والوثائق لا تحترق واعترافات اليوم هي أحكام الغد، ولو بعد حين.

أما نحن فسنبقى نسخر بألم لا لأننا نحب السخرية بل لأن السخرية آخر أسلحة العقل حين يعجز عن تصديق ما يرى وآخر ملجأ للكرامة حين تُستفز حتى حدود الجنون.

وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نقول:
نيال القطط السمان على هذا الحظ الأسطوري،
ونِيال العدالة إذا قررت يومًا أن تستيقظ من سباتها العميق.