في رمضان، المستوطنون أدوات الاحتلال

أسامة خليفة

كاتب فلسطيني
التوتر في الأراضي المحتلة أمر واقع يومي يدوم بدوام الاحتلال وممارساته القمعية، ككل احتلال عبر التاريخ الاستعماري، وكل حالة لا تخلو من خصوصية، في الحالة الفلسطينية يتصاعد التوتر ويستد التأزم في شهر رمضان المبارك، تفرض سلطات الاحتلال إجراءات على الفلسطينيين في عموم الضفة الغربية، لاسيما مدينة القدس والمسجد الأقصى، وفي أيام الجمعة خصوصاً، تسبب هذه الإجراءات الاحتلالية توتراً حاداً، يحاول الاحتلال أن يصوّر الإجراءات أنها للحفاظ على النظام العام، لكن الأمر تصعيد متعمد واستفزازي ومبيت يهدف إلى فرض السيادة الإسرائيلية على القدس، وتحويل المسجد الأقصى إلى «جبل الهيكل» باستخدام المستوطنين، وهو ما يحدث بشكل متكرر يتزايد في شهر رمضان، باقتحام المستوطنين باحات المسجد الأقصى بحماية جنود الاحتلال، دون اتخاذ إجراءات كالتي تتخذها سلطات الاحتلال بحق المصلين الفلسطينيين، ولا تستخدم قنابل الغاز المسيل للدموع، ولا القنابل الصوتيّة، ولا تعتقل دعاة الاقتحام من زعماء منظمات دينية يهودية متطرّفة تعبر على رؤوس الملأ وجهاراً عن نواياها إقامة شعائر دينية في باحة المسجد الأقصى استفزازاً للفلسطينيين. مزاحمة المسلمين، على معلم إسلامي، خطوات أولية لا تتعلق بحرية العبادة لليهود، بل تدخل في دائرة الاستيطان الاستعماري، تستبق الحكومة الإسرائيلية ومجلس الوزراء الأمني المصغر «الكابينيت» حلول شهر رمضان بإجراءات وقرارات يحاولان إظهارها أنها تتماشى مع مطالب المستوطنين لممارسة شعائر وطقوسهم في الأقصى حيث الهدف أمني سياسي استيطاني بغطاء ديني، يأتي ضمن ما يسمى التقسيم الزماني والمكاني لفرض التهويد التدريجي. في رمضان هذا العام ستقوم الشرطة الإسرائيلية بتمديد ساعات الاقتحام الصباحي لتصبح خمس ساعات كاملة، تبدأ في تمام الساعة 6:30 صباحاً بدلاً من الساعة 7، وتستمر حتى الساعة 11:30 بدلا من الساعة 11 صباحاً. في إجراء غير مسبوق كتعويض عن إغلاق المسجد الأقصى أمام اقتحامات المستوطنين المسائية خلال شهر رمضان.
وقريباً من القدس، وفي كل أنحاء الضفة الغربية، وقبل حلول شهر رمضان تستعد سلطات الاحتلال لاستنفار شامل ومسبق، والهدف قمع الفلسطينيين وإخضاعهم لحملات التهويد التي تطال بالدرجة الأولى القدس ومسجدها الأقصى، وبلدتها القديمة، حيث تُحشد قوات أمنية وشرطية كبيرة معززة بحرس الحدود وبوحدات كوماندوز، تُغلق بالكامل بعض الطرق إلى القدس، وتُنصب البوابات الحديدية والحواجز في الشوارع وعلى دروب المصلين، وتُعزز نقاط التماس حول القدس، وقرب الجدار العازل الذي يفصل القدس عن مناطق الضفة الغربية، ويفتح الاحتلال مسارات محددة يُلزم المصلين بالمرور عبرها حصراً، مع إجبارهم على وضع بصماتهم لتسجيل ساعات الدخول والخروج مما اعتُبر تشديد غير مسبوق على حركة المصلين إلى المسجد الأقصى.
وفي هذا العام ومنذ بداية رمضان رفعت سلطات الاحتلال مستوى التأهب، وصعَّدت حملاتها في الضفة الغربية، ومنعت إسرائيل عشرات الآلاف من فلسطينيي الضفة من الوصول إلى القدس للصلاة، وقصرت العدد على 10 آلاف فقط للقادمين من محافظات الضفة الغربية إلى القدس أيام الجمعة، من رجال أعمارهم فوق 55 عاماً، ونساء فوق 50 عاماً، ومن الأطفال دون 10 أعوام برفقة شخص بالغ، شرط الموافقة المسبقة.
تترافق هذه الإجراءات مع تصاعد اقتحامات المدن والقرى الفلسطينية الأخرى في الضفة المحتلة وتفريغ المخيمات من سكانها، وتهديدات بهدم منازلهم أو مصادرة أراضيهم، وهجمات المستوطنين، وأخرها حرق مسجد أبو بكر الساعة الثالثة والنصف من فجر يوم الاثنين 23 شباط في قرية شمال غرب نابلس، وسط استمرار عمليات الاعتقال والقتل الممنهجة، كما حدث يوم السبت ثالث أيام رمضان في بلدة بيت فوريك شرق نابلس، خلال إطلاق قوات الاحتلال النار، استشهد الفتى محمد وهبي عبد العزيز حنني 17 عاماً. واعتقل أكثر من 100 منذ بداية رمضان، بينهم نساء وأطفال، وأسرى سابقين. وأكد «نادي الأسير» أن الاعتقالات توزعت على غالبية محافظات الضفة التي تشهد حملات اعتقال واسعة في شهر رمضان، ترتبط المئات من حالات الاعتقال بإصدار قرار منع من دخول مدينة القدس ضمن إجراءات الإبعاد عن المسجد الأقصى، وهذا يعبر عن سياسة استباقية تحمل أبعاداً أمنية وسياسية، تهدف إلى منع الحضور الجماهيري الواسع في شهر العبادات، والذي يؤكد الهوية الإسلامية للمسجد الأقصى إلى الدرجة التي منعت سكان البلدة القديمة من تزيين أحيائهم كما جرت العادة ابتهاجاً بقدوم الشهر الفضيل.
أما بالنسبة لفلسطيني الداخل «فلسطينيو الـ 48» تشير مؤسسة القدس الدولية إلى أن حملة إبعاد واسعة عن الأقصى قامت بها سلطات الاحتلال، اعتُقل خلالها العديد، وأبعدوا عن الأقصى بتهمة الدعوة، على مواقع التواصل، لشد الرحال والرباط والاعتكاف بالأقصى للحفاظ على الحضور الديني والاجتماعي في المسجد ومحيطه.
بالمقابل سمحت شرطة الاحتلال لنشطاء «جماعات الهيكل» بأداء طقوس دينية داخل باحات الأقصى، في مساع لإثبات وجود رابط تاريخي يهودي به، ولتأكيد التسمية الإسرائيلية «جبل الهيكل» المزعوم، ولرفض الاعتراف الدولي بالمسجد الأقصى بكامل مساحته مكان عبادة خالص للمسلمين، والذي يُلزم إسرائيل بوقف الانتهاكات والاقتحامات المتواصلة من قبل متطرفين يمينين بمساندة قوات الاحتلال، من أجل ذلك سعى قادة المستوطنين إلى تكثيف التواجد اليهودي في المسجد، ولمزيد من تصعيد التوتر اختاروا لممارسة طقوسهم في الأقصى يوم الجمعة الأولى من رمضان الموافق 20 من شباط/فبراير، وهو يوم يتوجه فيه الفلسطينيون بكثافة لأداء صلاة الجمعة، في تحدٍ له أبعاد سياسية وأمنية. يوضحها قيام وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، باقتحام المسجد الأقصى يرافقه المفتش العام للشرطة الإسرائيلية داني ليفي، وقائد لواء القدس أفيشاي فيلد، وبرفقة مسؤولين أمنيين، وجمع من المستوطنين، وفي لقاء أجراه بن غفير مع قيادة الشرطة في البلدة القديمة بالقدس تحت عنوان «تقييم الوضع الأمني»، قال بن غفير: «لكم منا دعم كامل، فبالسيطرة والحزم نحقق الردع، وهكذا نصل إليه في رمضان .. عندما يكون هناك ردع لا يتجرّأ أحد، وهكذا يجب أن يكون وأن يستمر».
ونشرت صحيفة معاريف، أن توجّهات بن غفير تعكس رغبة التيار اليميني المتطرف بإعادة تشكيل الوضع القائم في المقدسات الإسلامية، وخاصة في الأقصى، وفرض واقع أمني جديد في المنطقة.
وتصاعدت هذه الإجراءات والقيود والسياسة بشكل ملحوظ منذ تعيين قائد شرطة منطقة القدس الجديد أفشالوم بيليد، المُقرّب من بن غفير، والذي باشر تنفيذ توجهات اليمين المتطرف الرامية إلى تغيير الواقع القائم في المقدسات الإسلامية.
يشجّع بن غفير المستوطنين وعصاباتهم على شن الهجمات والاعتداءات على المناطق الفلسطينية وحرق الممتلكات وطرد الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم وسرقة مواشيهم، وقد قيل عنهم أنهم «يشكلون في هذه المرحلة الأداة الأهم لفرض واقع جديد في الضفة». وما كان إقامة المستوطنات والبؤر الاستيطانية منذ العام 1967 بشكل يحيط بالقدس إلا مخطط لفصل المدينة عن محيطها الفلسطيني، وسعت سلطات الاحتلال من خلال الاستيطان إلى حصار التجمعات الفلسطينية والتحكم بترابطها وبمصيرها، وما كان المستوطنون إلا أداة للاحتلال في حملات الإبادة والتهجير، تؤكده مذبحة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل التي يحيي الفلسطينيون ذكراها الـ«32» اليوم الأربعاء، والتي ارتكبت فجر يوم الجمعة 15 رمضان عام 1414 الموافق 25 شباط/ فبراير العام 1994 نفذها الإرهابي الطبيب العسكري اليهودي باروخ غولدشتاين من سكان مستوطنة كريات أربع معقل الإرهاب الصهيوني من حركتي كاخ وكاهان شاي، وغيرها من عصابات قطعان المستوطنين، جريمة مكتملة الأركان مع سابق الإصرار والترصد إذ كان المستوطنون دوماً يهددون المصلين، وعلى مرأى ومسمع جنود جيش الاحتلال.
في يوم جمعة في شهر رمضان المبارك وعند صلاة الفجر، أطلق الإرهابي الصهيوني النار على المصلين المسلمين في المسجد الإبراهيمي أثناء أدائهم الصلاة، استشهد 29 مصلياً وجرح 150 آخرين قبل أن ينقض عليه مصلون آخرون ويقتلوه. لم تكن هذه عملية فردية، ولا من ارتكبها بمجنون فقد خطط لها المستوطنون، وساهم الجيش الإسرائيلي بتقديم تسهيلات، وثمة أسئلة كثرة تبين تواطؤ الجيش في ارتكاب المجزرة حول عدد الشهداء الكبير الذين ارتقوا في دقائق معدودة، وكيف استطاع المجرم أن يوصل الذخيرة إلى داخل الحرم دون دراية الجنود وعلمهم. عند تنفيذ المذبحة قام جنود الاحتلال الإسرائيلي الموجودون في الحرم بإغلاق أبواب المسجد لمنع المصلين من الهرب، كما منعوا القادمين من خارج الحرم من الوصول إلى ساحته لإنقاذ الجرحى، وفي وقت لاحق استشهد آخرون برصاص جنود الاحتلال خارج المسجد وفي أثناء تشييع جثث الشهداء، مما رفع مجموعهم إلى 50 شهيداً 29 منهم داخل المسجد.
أحد دلائل التعاون بين سلطات الاحتلال ومنظمات الاستيطان وقطعان المستوطنين المتطرفين، دور وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الذي يقود سياسة تستهدف تشديد السيطرة على المسجد الأقصى والتحكم بالمصلين فيه، تحت شعار «الردع والحزم»، تضمنت خطة بن غفير لتحقيق « الردع » تشديد القيود الأمنية، وتوسيع سياسة الإبعاد، وتكثيف الوجود الشرطي، ومنع إدخال وجبات الإفطار، وتنظيم النشاطات الدينية، إضافة لتمديد ساعات اقتحامات المستوطنين للأقصى، في محاولة للانتقال لمرحلة جديدة من فرض واقع أمني وديني وتقاسمي جديد داخل المسجد الأقصى.