لم يعد الفساد في الدولة العربية الحديثة مجرّد انحرافٍ أخلاقيّ عارض، ولا اختلالٍ إداريّ يمكن إصلاحه بقراراتٍ فوقية أو شعاراتٍ أخلاقية. إنّه — في صورته الزبونية المعاصرة — بنيةٌ عقلانيةٌ كاملة، تتغذّى من خطاب الإصلاح ذاته، وتعيد إنتاج السلطة عبر آليات تبدو حداثية في ظاهرها، لكنها في جوهرها امتدادٌ متحوّل لأشدّ أشكال السلطوية رسوخاً. فالفساد الزبوني ليس عطباً في النظام؛ بل هو أحد شروط بقائه.
لقد شهد العقدان الأخيران مفارقةً تاريخية لافتة: في اللحظة التي ارتفع فيها منسوب القاموس الديمقراطي في الإعلام والسياسة والتنمية الدولية، تعمّقت في الوقت ذاته أنماط التصلّب السلطوي داخل الدولة العربية. بدا المشهد وكأن الحداثة السياسية تُعلن حضورها، بينما كانت السلطة تُعيد ترتيب ذاتها في العمق، لا عبر القمع المباشر وحده، بل عبر إعادة تشكيل المجتمع اقتصادياً واجتماعياً بما يضمن ولاءه.
هنا وُلد اقتصاد الزبائنية بوصفه التكنولوجيا السياسية الأكثر براعة في إدارة الاستقرار القلق.
فالسلطة، وقد أدركت هشاشة شرعيتها التقليدية، لم تعد تعتمد فقط على الأجهزة الأمنية أو الأيديولوجيا الكبرى، بل شرعت في صناعة طبقةٍ موازيةٍ للمجتمع ذاته: طبقة الأغنياء الجدد. هؤلاء ليسوا برجوازيةً منتجة نشأت من تراكم اقتصادي طبيعي، بل هم نتاج الامتياز؛ أبناء العقود الحكومية، وورثة المناقصات المغلقة، وحلفاء الرأسمال الريعي الذي يتغذّى من قربه إلى مركز القرار لا من كفاءته في السوق.
إنها طبقة لا تستمد قوتها من المجتمع، بل من السلطة؛ ولذلك فهي أكثر ولاءً لها من أي جهاز رسمي.
وتحت هذه القشرة العليا، تنمو طبقة وسطى وظيفية، مؤلفة من موظفي الشركات الكبرى المستحدثة، وخبراء المؤسسات المرتبطة بالنخب الاقتصادية الجديدة، ومستخدمي اقتصاد الخدمات الذي وُلد في ظل مشاريع تحديث انتقائية. هؤلاء لا يعيشون خارج المجتمع التقليدي، لكنهم أيضاً لا ينتمون إليه بالكامل؛ إنهم سكان منطقة رمادية بين الامتياز والهشاشة.
بهذه الطريقة، تنشأ هرميتان اجتماعيتان متوازيتان: الأولى تقليدية مثقلة ببطالةٍ بنيوية وأعطابٍ تعليمية وثقافية متراكمة، والثانية حديثة المظهر، مرنة اللغة، تتحدث بلغة الإدارة والابتكار وريادة الأعمال.
غير أن الحداثة هنا ليست انتقالاً تاريخياً، بل واجهة.
فالسلطة تمنح هذه الهرمية الثانية حرياتٍ سطحية محسوبة: مساحات إعلامية محدودة، استهلاكاً ثقافياً معولماً، أنماط حياة شبه كوزموبوليتية، وبعض هوامش التعبير الفردي التي لا تمسّ مركز القرار السياسي. إنّها حرية بلا سيادة، وحيوية بلا قدرة على التغيير.
وهكذا تتحوّل الحرية نفسها إلى أداة ضبط اجتماعي؛ إذ يشعر جزءٌ من المجتمع أنّه يعيش زمن الإصلاح، بينما تبقى البنية السياسية على حالها.
إن أخطر ما في الفساد الزبوني أنّه لا ينهب الثروة فقط، بل يعيد تعريف النجاح الاجتماعي. فبدلاً من أن تكون المعرفة أو الإنتاج أو المبادرة الفردية طريقاً للصعود، يصبح القرب من شبكات النفوذ هو معيار الكفاءة الحقيقي. وهنا تتآكل فكرة الاستحقاق، ويتحوّل المجتمع إلى سباقٍ خفيّ نحو الولاء لا نحو الإبداع.
وما يضاعف من خطورة هذا النمط أنّ الدولة نفسها تبدأ في بناء جهازين إداريين متوازيين: جهازٍ قديم تُترك فيه البيروقراطية التقليدية لتشيخ داخل أعطابها المزمنة، وجهازٍ جديد بملامح تحديثية، سريع الحركة، متصل بالاستثمار الخارجي ومشاريع التنمية، لكنه مرتبط مباشرة بمراكز السلطة العليا. يبدو الأمر وكأن الدولة تُحدّث نفسها، بينما هي في الحقيقة تُنشئ جزيرةً إدارية معزولة عن المجتمع.
إنها حداثة بلا عدالة، وكفاءة بلا مؤسسات.
وبمرور الزمن، يتحوّل هذا الانقسام إلى انقسامٍ نفسي داخل المجتمع ذاته؛ حيث يشعر المواطن خارج شبكة الامتياز بأنّ الدولة لم تعد فضاءً عاماً مشتركاً، بل شركةً خاصة لها مساهمون كبار، بينما يُطلب منه أن يظلّ موظفاً صامتاً في أطرافها.
ومن هنا تتبدّى المفارقة الكبرى: فكلّما ازداد خطاب الإصلاح حضوراً، ازداد الإحساس الجمعي بالانسداد.
ذلك لأن الإصلاح الذي لا يعيد توزيع السلطة، بل يعيد توزيع الامتياز فقط، ليس إصلاحاً بل إعادة هندسة للهيمنة.
إن تجاوز الفساد الزبوني لا يبدأ بمحاربة الرشى الصغيرة أو بتغيير الأشخاص، بل بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة لا الرعاية، والمؤسسة لا الشبكة، والقانون لا الوساطة. فالدولة التي تسمح لاقتصاد الامتياز بأن يحلّ محلّ اقتصاد الإنتاج، إنما تؤجل انفجار أزماتها ولا تمنعها.
فالسلطة تستطيع شراء الزمن، لكنها لا تستطيع شراء المستقبل.







