السياسي -متابعات
يُثبت الجزء الثالث من مسلسل “ما اختلفنا” من إنتاج “شركة ميتافورا للإنتاج الفني” أنّ الكوميديا ليست مساحة للضحك فقط، بل منصّة مواجهة ذكية مع الذات والواقع. العمل يذهب أبعد من النقد السياسي المباشر، فلا يكتفي بتفكيك إرث النظام السابق، ولا يتردد في مقاربة الواقع الحالي والخط المجتمعي بكل تعقيداته، بل يضع الجميع تحت المجهر، من دون اصطفاف أو مواربة.
إخراج وائل أبو شعر يمنح اللوحات إيقاعاً حيوياً وروحاً مرحة تخفّف من وطأة الموضوعات الثقيلة. عدسته تشتغل على إبراز الكاريكاتور الإنساني داخل الشخصيات، فينجح في معادلة صعبة: أن يضحك الجمهور وهو يضع إصبعه على الجرح. كوميديا ذكية، جريئة، تعرف أن الضحك ليس هروباً من الواقع، بل أحياناً الطريقة الأصدق لمواجهته.

وائل أبو شعر مخرج ما “اختلفنا”
السياسة في قالب يومي
من أبرز لوحات الموسم مشهد مقابلة العمل، حيث تتحوّل الأسئلة السياسية إلى معيار توظيف: “هل شاركت بمسيرة مؤيدة؟ هل صوتّ للمخلوع؟ هل خرجت بمظاهرة؟ اذكر شعاراً ردّدته؟ اذكر أنشودة من أناشيد الثورة؟”، هنا اللوحة لا تهاجم طرفاً بعينه، بل تكشف عبثية الفرز الأيديولوجي حين يصبح شرطاً للعيش. المفارقة هنا أنّ الضحك يولد من التوتر، وأنّ المشهد، على بساطته، يختصر سنوات من الانقسام السوري بلقطة واحدة مكثفة.

أيمن رضا في “ما اختلفنا”
ثنائية الحنين والخوف
اللقاءات بين جرجس جبارة وسوسن أبو عفار تقدّم واحدة من أجمل ثنائيات الموسم. زوجان مسنّان يعيشان وحيدين بعد هجرة أبنائهما، يتحاوران حول المستقبل والقلق وتأمين الاستقرار. العفوية في الأداء، والصدق العالي في التفاصيل اليومية، بشكل معاصر يتناسب مع اللحظة الراهنة.
وفي لوحة أخرى، رجل يدعو ابنته للعودة إلى الوطن، فيما تحذّرها الأم من الرجوع لأن “لا شيء تغيّر”. الجدال يحتدم، وفجأة تنقطع الكهرباء وينقطع الاتصال، لتبقى الكاميرا على وجه الأب. هنا يشتغل الإخراج على الصمت كجملة ختامية، كأنّ الانقطاع بحد ذاته إجابة سياسية واجتماعية…

شادي الصفدي وأندريه سكاف

ظواهر المجتمع… حين تصبح اللوحة مرآته الساخرة
الحلقة السادسة شكّلت ذروة فنية واضحة عبر لوحتين مميزتين: “احترام متبادل” من بطولة أيمن رضا ونانسي خوري وميسون أبو أسعد وجمال العلي، وتأليف مازن طه. الفكرة تقارن بين زوجين “يحترمان بعضهما أكثر من اللازم” حتى تتحوّل العلاقة إلى برود رسمي، وزوجين آخرين ألغيا كل الكلفة. المفارقة أنّ التطرف في الاتجاهين يكشف هشاشة التوازن، واللوحة تنجح في جعل الضحك أداة تحليل اجتماعي.
ولوحة أخرى بعنوان “مطعم المدينة” بطولة شادي الصفدي وروعة ياسين وأندريه سكاف، وتتناول بسخرية ذكية مسألة التأجيلات واعتذارات النجوم، في إسقاط لطيف على كواليس الصناعة نفسها. هنا تمارس الكوميديا نقدها الذاتي في نهج تعودته الدراما السورية بين الحين والآخر، وهو ما يرفع من قيمة العمل فنياً.

شادي الصفدي ونانسي خوري وأحمد الأحمد
الأداء… حين تليق الكوميديا بأصحابها
للمرة الأولى منذ زمن طويل، يجتمع باسم ياخور وأيمن رضا في عمل واحد، رغم أنهما لم يظهرا في لوحة مشتركة، لكن حضورهما يثبت تميزهما الكوميدي في كل مشهد.
ويؤكد أحمد الأحمد وميسون أبو أسعد ورشا بلال ومازن الناطور بانضمامهم إلى الجزء الثالث للمرة الأولى، براعتهم بمرونة واضحة، فيما يثبت طلال مارديني وجيانا عنيد ونانسي خوري وإليانا سعد قدرتهم على رسم الضحكة من من دون افتعال. كذلك يقدّم بلال مارتيني حضوراً لافتاً في لوحته مع رامز الأسود، معتمداً على تعابير وجه دقيقة تُذكّر بأنّ الكوميديا غالباً ما تبدأ من التفاصيل الصغيرة، من دون إغفال حضور مجموعة من الفنانين الشاب بشكل لافت، على غرار كرم شنان وملهم بشر، فيما يحضر المكياج والتأثيرات البصرية كعناصر داعمة للجو العام، وأساسية في تقديم نجوم العمل في كراكتيرات يظهرون بها للمرّة الأولى، رغم أن الكثيرين منهم لهم باعاً طويلاً في هذا النوع من الأعمال، على غرار أندريه سكاف وتيسير إدريس وجمال العلي…

ميسون أبو أسعد












