دراسة أكاديمية للبروفيسور بومنير كمال
أولاً: الإطار العام للدراسة
تندرج هذه الدراسة ضمن الحقول الفلسفية المعاصرة التي اشتغلت على سؤال الأزمة في قلب المشروع الحداثي الغربي، حيث حاول البروفيسور بومنير كمال تفكيك مفهوم “أزمة العلوم” كما صاغه إدموند هوسرل، ومقارنته بمفهوم أزمة العقل والحضارة عند ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، كما تجلى في كتابهما المشترك جدل التنوير.
وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الحداثة الغربية، رغم منجزاتها العلمية والتقنية، قد أنتجت مفارقة داخلية تمثلت في انفصال العلم عن المعنى، والعقل عن الغاية، والمعرفة عن الوجود الإنساني.
ثانياً: أزمة العلوم عند إدموند هوسرل
يرى هوسرل في كتابه، أزمة العلوم الأوروبية أن الأزمة لا تعود إلى نقص في علمية العلوم، بل إلى فقدانها معناها الوجودي بالنسبة للإنسان. فالرياضيات والفيزياء – سواء في صيغتها النيوتونية أو النسبية أو الكوانتية – حققت نجاحات باهرة، غير أن هذه النجاحات تمت على حساب “عالم الحياة” (Lebenswelt).
ملامح الأزمة عند هوسرل:
هيمنة النزعة الموضوعية (Objectivism).
اختزال المعرفة في الملاحظة والتجربة.
إقصاء أسئلة المعنى، الحرية، المصير، والغاية.
تطبيق مناهج العلوم الطبيعية على الإنسان دون تمييز.
ويؤكد هوسرل أن حياة الوعي تختلف عن حياة الطبيعة، لأن الوعي حياة قصدية (Intentionalité)، رمزية، ذات معنى. لذلك اقترح المنهج الفينومينولوجي كعودة إلى الذات بوصفها مصدر المعنى، وإعادة الاعتبار لعالم الحياة كأفق تأسيسي لكل معرفة علمية.
ثالثاً: أزمة العقل عند هوركهايمر وأدورنو
أما هوركهايمر وأدورنو، ممثلا الجيل الأول لـمدرسة فرانكفورت، فقد أعادا أزمة الحداثة إلى مسار العقل نفسه.
في جدل التنوير، يبينان أن العقل الذي تحرر من الأسطورة وحرر الإنسان من الخوف، تحول تدريجياً إلى عقل أداتي (Instrumental Reason)، يخضع للطابع الوظيفي ويخدم المنظومة الرأسمالية.
ملامح الأزمة عند مدرسة فرانكفورت:
سيطرة العقل الأداتي.
تقديس التقنية والعلم.
تحول المعرفة إلى أداة للهيمنة.
اندماج العقل في بنية النظام الرأسمالي.
فالعقل الذي كان مشروع تحرر أصبح أداة إخضاع، وهنا تكمن المفارقة: التنوير انقلب إلى شكل جديد من الأسطورة.
رابعاً: نقاط التقارب بين المدرستين
تكشف دراسة البروفيسور بوم@نير كمال عن تقارب بنيوي بين هوسرل ورواد فرانكفورت في تشخيص الأزمة:
كلاهما ينتقد النزعة الوضعية.
كلاهما يرى أن الحداثة فقدت بعدها الإنساني.
كلاهما يعتبر أن الأزمة أزمة عقلانية ومعنى.
كلاهما يعترف بوجود قطيعة بين العلم والحياة.
إذن، يتفق الطرفان في التشخيص، لكنهما يختلفان في العلاج.
خامساً: الاختلاف في سبل تجاوز الأزمة
1. الحل الفينومينولوجي (هوسرل)
العودة إلى الذات.
رد الاعتبار لعالم الحياة.
تأسيس إبستيمولوجي صارم للعلوم.
إعادة بناء العقل من الداخل.
2. الحل النقدي (هوركهايمر وأدورنو)
تأسيس فلسفة نقدية اجتماعية.
ربط النظرية بالممارسة.
تفكيك البنية الرأسمالية للهيمنة.
تحرير العقل من أداتيته.
وترى مدرسة فرانكفورت أن مشروع هوسرل، رغم عمقه المعرفي، يبقى عاجزاً عن إحداث تحول اجتماعي فعلي، لأنه يظل داخل أفق التأمل النظري، ولا ينخرط في تغيير البنية المادية للمجتمع.
سادساً: قراءة تحليلية – د. صالح الشقباوي
من منظور استراتيجي فلسفي، يمكن القول إن هذه الدراسة لا تكتفي بعرض المقارنة، بل تؤسس لوعي جديد بطبيعة الأزمة الحضارية المعاصرة.
إن أزمة الحداثة ليست أزمة علم، بل أزمة معنى.
وليست أزمة معرفة، بل أزمة توجيه للمعرفة.
وليست أزمة عقل، بل أزمة في مسار العقل.
إن هوسرل يشتغل على إعادة تأسيس المعنى من الداخل، بينما يشتغل هوركهايمر وأدورنو على تفكيك البنية الخارجية التي شوهت العقل. الأول إصلاح إبستيمولوجي، والثاني نقد اجتماعي جذري.
وبين المشروعين يمكن تصور أفق ثالث:
عقل نقدي متجذر في عالم الحياة،
ووعي ذاتي منفتح على التحول الاجتماعي،
وفلسفة تجمع بين المعنى والممارسة.
خاتمة
إن دراسة البروفيسور بومنير كمال تمثل جهداً فلسفياً رفيعاً يعيد فتح سؤال الأزمة في سياق الحداثة الغربية، ويمنح القارئ أدوات تحليلية لفهم مفارقات العقل المعاصر.
وهي دراسة تكشف أن إنقاذ الإنسان لا يكون بإلغاء العلم، ولا بتمجيد التقنية، بل بإعادة وصل العقل بالمعنى، والمعرفة بالغاية، والنظرية بالممارسة.
كل التقدير والتحية للبروفيسور بومونير كمال على هذا العمل الأكاديمي العميق، الذي ينير الطريق أمام الأجيال القادمة، ويعيد للعقل مصداقيته في قدرته على فهم النص وتجاوزه إلى أفق أوسع.










