مع الأسف الشديد، نمر اليوم بواحدة من أسوأ المراحل التي شهدتها القضية الفلسطينية منذ وعد بلفور، مرورًا بنكبة عام 1948، ثم هزيمة حزيران عام 1967، وصولًا إلى محطات عديدة في مسيرة الثورة الفلسطينية المعاصرة. ومن أبرز تلك المحطات الخروج من بيروت عام 1982 بعد صمود أسطوري للمقاومة الفلسطينية، حيث جاءت تلك المرحلة عقب مفاوضات ماراثونية مع المبعوث الأمريكي فيليب حبيب.
في تلك اللحظة التاريخية رفض الرئيس الراحل ياسر عرفات الخروج برفع الراية البيضاء، وأصرّ على أن يخرج رجال المقاومة بسلاحهم الفردي تحت إشراف وحماية دولية . وكان الاعتقاد الإسرائيلي آنذاك أن منظمة التحرير الفلسطينية قد انتهت، إلا أن الأحداث أثبتت عكس ذلك. فعلى الرغم من انتقال قواعد المقاومة الفلسطينية إلى اليمن والجزائر والسودان وتونس، وعلى بُعد آلاف الأميال من فلسطين، استمرت عمليات المقاومة النوعية التي نفذتها حركة فتح وبعض الفصائل الفلسطينية، تأكيدًا على أن المقاومة المسلحة لم تنتهِ ولن تنتهي.
ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في قطاع غزة والضفة الغربية ومخيماتهما، إضافة إلى القدس، وتشكيل القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، تبلورت صورة واضحة مفادها أن الثورة الفلسطينية لم تنتهِ، وأن منظمة التحرير الفلسطينية بقيت تقود المشروع الوطني الفلسطيني رغم التحديات والمؤامرات ومحاولات الانشقاق والانقسام التي أعقبت الخروج من بيروت. وقد رفضت القيادة الفلسطينية آنذاك التنازل عن القرار الوطني الفلسطيني أو الخضوع لمحاولات الاحتواء والتدجين التي سعت بعض الأطراف الإقليمية إلى فرضها، خصوصًا على حركة فتح.
واليوم تمر القضية الفلسطينية بمنعطف بالغ الخطورة، لا يستهدف فقط الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، بل يسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية برمتها، من خلال العدوان والحرب المدمرة على قطاع غزة، وما يُطرح من مشاريع سياسية من قبل الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، والتي تقوم على تكريس الفصل الجغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، بما يخدم أهدافًا استراتيجية أبرزها تهجير الفلسطينيين ومنع قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبدأ حل الدولتين.
وفي الوقت ذاته، فإن ما يجري في الضفة الغربية والقدس من ضم تدريجي وتوسّع استيطاني يعزز مشروع ضم الضفة الغربية وتكريس ما يسمى “يهودا والسامرة”، إضافة إلى فرض واقع “يهودية الدولة”، استنادًا إلى قرارات صادرة عن الكنيست الإسرائيلي، وكل ذلك بدعم وإسناد واضح من الإدارة الأمريكية.
في ظل هذه الظروف الخطيرة، ليس من المناسب أن ننخرط في جلد الذات أو في خلافات داخلية فلسطينية، ونحن جميعًا تحت مقصلة التصفية السياسية. لذلك، فإن قضية سلاح المقاومة، أو سلاح حركة حماس تحديدًا، لا ينبغي أن تتصدر المشهد الفلسطيني الداخلي في هذا التوقيت، خاصة في ظل المفاوضات التي جرت بصورة مباشرة بين قيادات في حركة حماس ومسؤولين أمريكيين، ومن بينهم المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف.
ومن هنا، ينبغي التأكيد على أن الفلسطينيين لم يكونوا جميعًا طرفًا في تلك المفاوضات، وبالتالي ليس من المنطقي أن ننخرط في تبني مطالب أمريكية منحازة لإسرائيل تتعلق بسلاح المقاومة، في وقت يواجه فيه شعبنا حربًا مفتوحة ومشاريع تصفية سياسية.
وفي سياق متصل، ورغم كل الخلافات الفلسطينية الداخلية، فإنه من غير المقبول توجيه اتهامات بالإرهاب إلى حركة حماس في الخطاب الفلسطيني الداخلي. فقد سبق أن رفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس، من على منبر الأمم المتحدة، وصف الحركة بالإرهاب. كما أن الذاكرة الفلسطينية والعربية تذكر أن الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين جاء بعد ضغوط وشروط من الملك الراحل الحسين بن طلال، عقب حادثة محاولة اغتيال خالد مشعل، وكان الرئيس ياسر عرفات من أوائل من زاروه في مستشفى مدينة الحسين الطبية في العاصمة الأردنية عمّان.
إن المرحلة الراهنة تتطلب منا جميعًا العمل الجاد على بناء جسور التوافق الوطني الفلسطيني، لأن شعبنا بكل مكوناته مستهدف في هذه المرحلة الحساسة من مسيرة التحرر الوطني. ولا سبيل لمواجهة هذه التحديات إلا بوحدة الصف الوطني الفلسطيني وتعزيز الشراكة السياسية على قاعدة حماية المشروع الوطني.
عمران الخطيب





