كرنفال المدينة رواية لنزهة الرملاوي

بقلم : مهند طلال الاخرس

كرنفال المدينة رواية لنزهة الرملاوي تقع على متن 221 صفحة من القطع المتوسط وهي من اصدارات دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس/فلسطين، الطبعة الاولى سنة 2019.
الرواية مقدسية من الطراز الرفيع، وذات مضامين سياسية اجتماعية متعددة. فالرواية عبر صفحاتها ٢٢١ شريط من صور فوتغرافية ولوحات أدبية تصور القدس وتلتقط تفاصيل معاناتها اليومية تحت الاحتلال الإسرائيلي، من خلال حياة شخصيات متعددة، تدور الاحداث في فضائها المقدسي، وتتمحور الاحداث حول بطل الرواية تامر ومن اثر خطواته وتجواله وترحاله في فضاء المدينة المقدسة [البلدة القديمة والمخيم] تتوالد الاحداث والحكايا..
الرواية تقدم صورًا من الواقع الاجتماعي والسياسي والإنساني في المدينة المقدسة والمخيّمات المحيطة بها.
الرواية بعنوانها كرنفال المدينة تشير الى القدس، حيث هي “المدينة” المقصودة في العنوان بكل تفاصيلها وصورها وافراحها واتراحها، آلامها وآمالها ، سكانها وزوارها، وشوارعها التي تحتفي بالتاريخ والمستقبل كما تحتفي بالحاضر والشهداء ووعود الفرح، كل ذلك عبر مهرجانات جماهيرية تقودها الفرق الكشفية والدينية حيث تزدان هذه المهرجانات اكثر بتواجد ابناء المدينة ومحبيها من السياح والمعجبين والمواطنين بانتظار مواكب البهجة التي تعبر شوارع المدينة المقدسة في اجواء تصنع الكرنفال ذي النكهة الخاصة بالمدينة.
وهذه تمثل صورة الكرنفال البهية في الرواية، اما صورة الكرنفال الاخرى فتصنعها جموع المتدكسين على المعبر في ايام الصيف الحار، فالمعبر بما يمارسه الاحتلال من اذلال وقهر وقمع وتطويع بحق المواطنين، يتضمن المشهد رؤيا اخرى يواجه بها اصحاب البلاد الاصليين صلف المحتل وقهر المعبر عبر محاولات ومبادرات تستهدف التخفيف من العبء النفسي والظلم والقهر الذي يمارس عليهم، عبر التضامن والتكافل والتعاضد باشكال عدة، انتقت الرواية منها مظهرا بهيا جميلا وجعلت منه عوان روايتها..

انتقت الكاتبة شكل الترفيه حيث الكرنفال المؤقت الذي ينطلق أمام الحاجز — بالبالونات والغناء — كنوع من مقاومة القهر النفسي والاجتماعي علاوة على الشعور العارم بالفرح الذي ينثره فوق رؤوس المتكدسين على المعبر، والخامل لابتساماتهم وهي تحدق بالسماء وتودع هداياهم الباسمة وهي في طريقها لاحياء كرنفال المدينة…
بطل الرواية الفتى تامر ذي ١٧ عاما ابن مخيم القدس (مخيّم قلنديا) وهو ابن شهيد، يعيش مع زوج أمّه ربحي (مناضل واسير سابق، وصديق والده الشهيد، والذي يتم اسقاطه امنيا فيصبح مدمن للمخدرات والكحول).
بعد وفاة والدته بمرض السرطان وقهرا وكمدا من افعال زوجها الجديد والسكير ربحي ، يواجه تامر صعوبات الحياة اليومية في المخيم، ويتحول إلى بائع وسائد/مخدات عند المعبر/الحاجز الذي يفصل القدس عن محيطها واناسها.
يصبح المعبر دورا مركزيا في احداث الرواية وفي حياة تامر معا ، وتتصاعد درجة المظلومية مع رواد المعبر، وكل واحد منهم يحمل حكايته ووجعه الخاص بما فيهم من تضع مولودها على الحاجز وبما فيها من تغيب عن امتحاناتها بسبب اغلاق المعبر …وما الى ذلك من مشاكل وقضايا يُسمع انينها من افواه المتكدسين والمنتظرين امام المعبر ،
ومع تصاعد الاحداث هناك، وفي تناغم مع تصاعد حبكة الرواية، يصعد تامر فوق اكتاف المتظاهرين ثم يقفز فو الجدار وهناك يرفع العلم الفلسطيني فتهتاج الناس، لكن هيجانه هو تمثل برغبته في دخول المدينة التي طالما حمل اسمها وحلم بها ورغبة دفينة في استعادة الهوية والانتماء الحقيفي لها، وهذا ما تم له بمجرد ان هاجمهم جنود الاحتلال؛ يصل تامر الى داخل الجدار، وتسعفه احد البيوت بعد اصابته ، وفي هذا البيت تدور حبكة اخرى تتوالد منها الحكايات وتمشي مع خطوات تامر في ازقة وحواري المدينة …
عبر ايام معدودة يشبع تامر فضوله في ري سني الظمأ تجاه عشق المدينة المقدسة، فتاخذنا [الكاتبة] خطواته في جولة مقدسية غنية بتفاصيل المدينة ، كل تلك الجولات والتفاصيل احتوتها الصفحات ١٣٤ وحتى الصفحة ١٥٣.
وابتداء من ص ١٥٤ وفي نهاية جولة الحب والتاريخ التي احتضنتها زقاق المدينة ، تاخذنا خطوات تامر الى مقام لاحد الاولياء الصالحين الملاصق للاقصى ليبت فيه صاحبنا، وهناك تتولد حكاية اخرى مع فؤاد وابو فؤاد خادم المقام وعائلته، تبوح بها الصفحات ١٥٦ وحتى الصفحة ١٦٧ وفيها تنجح الكاتبة بالتقاط مشهد استيلاء المستوطنيين على احد بيوت البلدة القديمة ص ١٥٩.
في القدس تنتظر تامر العديد من المفاجأت لاسيما ما يتعلق بعائلته، حيث يقرر زيارة قبر والده ؟ وهناك يتعرف الى ابن عمه ص ١٩٥، ويفوده هذا التعارف الى سؤال ابن عمه عن كيفية معرفته خاصة انه لم يتصور في حياته!؟ او اذا كان يعرفه او راه قبل هذه المرة!؟ فيجيب [ابن عمه، هادي]، لقد اخبرتني عمتي حياة باوصافك. فاستغرب تامر وساله مجددا ومن هي حياة، وكيف عرفت اوصافي. اؤجيبه ابن عمه بان العمة حياة هي ام الشهيد باسم ص ١٩٧، وهي من استضافتك وخبأتك في بيتها بعد سقوطك عن الجدار. وليخبره بعدها بقصة ابنها الشهيد الذي احرفه المحتلون حيا…
في الرواية تتشابك قصص شخصيات متعددة وتتداخل (مثل ثريا، زينة، حسن، باسم حياة وهادي وفؤاد وابو فؤاد والغضيب وراجح … وغيرهم)، وتجتمع كل منها لتعطينا صورا حية لبعضا من جوانب الحياة اليومية والاحتماعية والسياسية للمواطن المقدسي تحت الاحتلال: البطالة ،المخدرات والادمان، العنف الأسري، الفقر، الانفصال عن المدينة، الحواجز والمعابر والجدار ومعاناته وما تفرزه من مشاكل عائلية واسرية ووطنية واقتصادية.
يمثل حضور الحاجز كرمز مركزي في الرواية في تمثيل حي للدور الذي يمثله الاحتلال من خلال السيطرة على حرية الحركة والدخول إلى المدينة المقدّسة، بما يتضمنه ذلك من اخضاع وتطويع وتذويب لانفس اصحاب الارض الاصليين..
ثم تتابع احداث الرواية بالقبض على تامر وفرض غرامة مالية مقدارها مائة الف شيكل وسجنه مدة شهر واعادته خلف الجدار هذا الحكم والمآل تبوح به الاحداث على ظهر الصفحة ٢١٥…
في المخيم تنصب خيمة الفرح ويستقبلون تامر على الاكتاف ويتركون من قدسيته، يروي لهم بطولات المحبين… ص ٢٢٠.
“المخيم المسكون بالالم بدا مهرجانا…العشاق يسرقون الامل ويمضون بلا خوف، … يتهيؤون لاطلاق بشائرهم، ويهتفون خلف الابواب للحرية، يتحضرون لكرنفال آخر…” ص ٢٢١
يتبع…