السياسي – لم يكن تصريح السفير الأمريكي لدى “إسرائيل” مايك هاكابي حول حقّ “إسرائيل” بالاستيلاء على الأرض العربية والإسلامية بين الفرات والنيل، مجرد زلّة لسان، فالسفير قس معمداني مسيحي إنجيلي صهيوني، معروف منذ سنوات طويلة بمواقفه الدينيّة المعتمِدة على رؤى توراتيّة، وعندما أجاب في مقابلته مع تاكر كارلسون بهذا الجواب قال إنّه يستند إلى نصّ ديني في سفر التكوين في الكتاب المقدّس. وهاكابي نفسه لا يَعدُّ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية احتلالا، بخلاف الموقف الرسمي لدولته، ويسمّيها “يهودا والسامرة” وفق الوصف التوراتي؛ بل ويرى أنّ للكيان الصهيوني “صكّ ملكيّة” في الضفة الغربية.
هذه المعلومات يعرفها ترامب تماما عن هاكابي، وحتى قبل تعيينه سفيرا للولايات المتحدة لدى “إسرائيل”؛ ويعرف أنشطة هاكابي الواسعة الداعمة للاحتلال الإسرائيلي من منظور مسيحي إنجيلي صهيوني. فهاكابي نفسه لديه قاعدة شعبية إنجيلية قوية، وكان حاكما لولاية أركنساس، وكان مرشّحا رئاسيّا للولايات المتحدة في 2008 و2016، وأعاد تأكيد مضمون تصريحاته في جلسة استماع في الكونغرس الأمريكي ضمن الإجراءات السابقة لتعيينه سفيرا.
ولذلك، فإنّ تعيين هاكابي لم يكن مجرد عمل إجرائي، كما أنّ تصريحاته ليست مجرد تصريحات عابرة، ولا قيمة لتبريرات الخارجية الأمريكية التي ادّعت أنّ هذا رأي هاكابي الشخصي، وأنّه لا يمثّل السياسة الرسمية الأمريكية؛ خصوصا أنّها لم تتّخذ أي إجراء بحقّه، وتابع ممارسة عمله سفيرا بشكل معتاد. كما أنّ هاكابي عندما أدلى بتصريحاته لم يكن في إجازة في الولايات المتحدة، وإنّما كان على رأس عمله ومتواجدا في “مركز الصراع” وفي قلب الحدث في فلسطين المحتلة سفيرا في داخل الكيان الإسرائيلي.
ترى ماذا لو أنَّ سفيرا أمريكيّا أدلى بتصريح يعبّر فيه عن “رأيه الشخصي” بأنّه يؤمن من خلفية دينية أو أيديولوجية بأنّ فلسطين هي للشعب الفلسطيني، وأنّها أرض عربية إسلامية من النهر إلى البحر؟! هل كانت الخارجية الأمريكية ستُصدر بيانا مشابها باحترام رأيه الشخصي، وتتركه يتابع عمله؛ أم أنّها ستُنكِّل به و”تُشرِّد به مَنْ خَلْفه” وتجعله “عبرة لمن يعتبر” ويُفصل فورا من عمله؟!
منظومة حكم.. لا سلوك فردي:
يُعبّر سلوك هاكابي والخارجية الأمريكية عن الميول المسيحية الإنجيلية للرئيس ترامب وفريقه؛ فهو ليس سلوكا فرديا، وإنّما تعبير عن منظومة الحكم الأمريكية الحالية نفسها. وترامب نفسه سبق له أن أشار أنّه يرى أنّ “إسرائيل” صغيرة بالنسبة لمساحتها المُستَحقّة، وهو نفسه لا يعترف بحلّ الدولتين، ولا يحترم اتفاقات أوسلو ولا القرارات الدولية المتعلّقة بفلسطين، ويدعم عمليّا الاستيطان (دعا ممثّلين لمجلس مستوطنات الضفة الغربية لحضور حفل تنصيبه رئيسا لأمريكا)، وهو نفسه دعا لتهجير فلسطينيي قطاع غزة؛ ولم يسحب دعوته إلا لأسباب عمليّة مرتبطة بوقف الحرب وإنفاذ خطّته في القطاع، وإدخال الدول العربية والإسلامية فيها، ودفع مسار التسوية و”الاتفاقات الإبراهيميّة”. وهناك عدد من أعضاء الفريق الرئاسي لترامب من المحسوبين على الصهيونية المسيحية الإنجيلية؛ من أبرزهم وزير الحرب بيت هيجسيث.
ولذلك، فإنّ خطورة هذه التصريحات في أنّها لا تُعبِّر بشكل أو بآخر عن العقلية الأمريكية الحاكمة، وربما لا تخالف هاكابي فيما قاله سوى في أنّها ترى أنّه لم يئن أوانها، وليست مناسبة لطبيعة المرحلة.
من ناحية أخرى، فإنّ هذه التصريحات تتوافق تماما مع العقليّة العنصرية التوسّعيّة للحكومة الإسرائيلية الحالية والأشد تطرّفا منذ إنشاء الكيان؛ التي قطعت أشواطا في سعيها لحسم الصراع على الأقصى والقدس والضفة الغربية، ومضت في إجراءات الضم من الناحية الرسمية. وتتوافق مع تصريحات سموتريتش ونتنياهو حول “إسرائيل الكبرى”.
تجهيز الأجواء:
هذا يعني أنّ ثمة مبادرات لاصطناع أجواء تنقل مسألة ضمّ الضفة و”إسرائيل الكبرى” من مجرد “أدبيات شعبية” إلى مشاريع سياسية موضوعة على الطاولة وقابلة للأخذ والرد، وتعويد الناس والبيئات الحاكمة عليها؛ وبالتالي نقلها من “دائرة الحلم” إلى “دائرة الممكن” بغضّ النظر عن مدى واقعيتها الراهنة. وهذا ينطبق على مواضيع طُرحت سابقا ثم أخذت مسارات أكثر جدية وخطورة مثل تهجير الفلسطينيين، وتفكيك السلطة الفلسطينية..
ويبدو أنّ الإسرائيليين والأمريكان لا يبالون كثيرا بالأنظمة الرسمية العربية، وهم يتعاملون معها كـ”حيطة واطية” يمكن تجاهلها وتجاوزها؛ ويدركون مسبقا سقف احتجاجاتها واعتراضاتها، باعتبار أنّ ما ستقوم به لن يتعدّى “الظاهرة الصوتية”؛ بالرغم من أنّ تصريحات هاكابي تضرب جوهر الأمن القومي العربي وقلبه. وبالفعل، فإنّ كلّ الدول العربية والإسلامية لم يتجاوز موقفها أكثر من الاحتجاج وإصدار البيانات.
الأنظمة العربية والأمن القومي:
أخيرا، فالمطلوب أن تُحمل تصريحات هاكابي على مَحمل الجدّ، وتوضع في سياق المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة، وعلى الأنظمة العربية أن تدرك أنّها مستهدفة في أمنها القومي وفي وجودها، حتى لو طبَّعت، وحتى لو رضيت بالهيمنة الأمريكية وبالعمل ضمن المنظومة الاستراتيجية الأمريكية، وحتى لو قمعت شعوبها، وطاردت “الإسلام السياسي” وحاصرت المقاومة ومنعتها وجرَّمتها، ووضعت أموالها في بنوك أمريكا والغرب؛ لأنّ الاستهداف في النهاية هو للأمة وهويتها وأرضها ومقدساتها.
وما دامت الأنظمة لا تقوم بأيّ مراجعات حقيقيّة لسلوكها وسياساتها ولا تصطلح مع شعوبها، ولا تُحدّد بوضوح بوصلتها وأولوياتها ومصالحها العليا، فإنّ المشروع الصهيوني سيواصل تمدُّده، بينما ستزداد حالات الاحتقان والسخط الشعبي، مع تزايد الشعور بعدم الأمان وعدم الثقة في قدرة الأنظمة على حماية أرضها وشعوبها، وهو ما يفتح المجال لبيئات التغيير.
x.com/mohsenmsaleh1 – محسن محمد صالح








