في الخبر العاجل تتساقط الرؤوس كما تتساقط أوراق الخريف وفي التحليل العاجل، يتحول المحللون إلى فلاسفة حرب وخبراء نوويين وقادة أركان، وهم لم يقودوا يومًا سوى سيارة أجرة في ساعة الذروة. وتتحول الشاشات إلى ساحات تعبئة عاطفية يُضخ فيها الخوف والغضب والتهور حتى آخر قطرة وعي.
دعوني هنا وبملء السخرية والغضب، ألعن قناة الجزيرة إعلاميًا وسياسيًا ومهنيًا، لا شتمًا مجانيًا بل توصيفًا لأداء لا يرى في الدم إلا مادة للبث ولا في الجثث إلا نسب مشاهدة ولا في الخراب إلا سباق سبق صحفي غير شريف حيث انها قناة تتغذى على الاشتعال وتتنفس الفوضى وتعيش على ضخ الأدرينالين في عروق الشارع العربي حتى آخر قطرة عقل، وتبيع الناس وهم البطولة بينما تقودهم بخفة مذيع إلى حافة الهاوية وعن سبق اصرار .
دولة بحجم قارة (ايران )وبجيش جرّار ومصانع سلاح وصواريخ عابرة للقارات وتحالفات دولية ومليارات تتكاثر أسرع من الأرانب، تُصفع خلال ساعات !!!ثم يخرج علينا من يسأل ببراءة مصطنعة ومدفوعة الفاتورة من اجهزة الامن المشغلين لهم : ولماذا لا تشتبك أجهزة أمن السلطة الفلسطينية؟
سؤال عبقري ينتمي إلى مدرسة “الاندفاع المقدس” في حال براءته، حيث البطولة تُقاس بعدد النعوش، وحيث الحكمة تُصنَّف كنوع من الخيانة وحيث التفكير جريمة تستوجب الإعدام المعنوي وحيث العقل يُعامل كعار والتروي كجريمة والبقاء كخيانة وطنية.
الشعب الفلسطيني، هذا الكائن العجيب الذي نجا من سبعين عامًا من القتل والتهجير والحصار والتجويع والتآمر والتآكل، مطلوب منه أن ينتحر مرة واحدة دفعة واحدة كي يُرضي غرائز بعض المتحمسين على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الفضائيات التي تعيش على صراخ الدم وبعض غرف المخابرات ، وكأن المطلوب ليس تحرير وطن بل صناعة مشهد يصلح للبكاء الجماعي والمشاركة السريعة.
منطقهم بسيط جدًا، اضرب رأسك بالحائط فإن لم ينكسر الحائط ينكسر رأسك وحينها نعلن النصر، ونكتب قصيدة وننشر صورة وننام مرتاحي الضمير.
هم لا يريدون شعبًا حيًا هم يريدون ملحمة ولا يريدون وطنًا بل يريدون نشيدًا جنائزيًا طويلًا، ولا يريدون مشروعًا وطنيًا بل يريدون مشهدًا دراميًا يصلح للبكاء والمشاركة وإعادة النشر، ولا يريدون دولة بل يريدون أسطورة تنتهي عند أول مقبرة جماعية.
في عالمهم الحكمة تهمة والعقل خيانة والتدرج جبن والبقاء مؤامرة والتفكير الاستراتيجي ضرب من ضروب الردة الوطنية.
أما نحن أبناء فلسطين الشموخ فقد تعلّمنا بالدم أن البطولة ليست في سرعة الذهاب إلى المقبرة بل في عناد البقاء خارجها وأن الذكاء ليس في استفزاز الدبابة بل في إرغامها على الرحيل وأن المعركة الحقيقية ليست في عدد الطلقات بل في عدد الأجيال التي تظل متمسكة بالأرض وأن الصمود ليس لحظة انفعال بل مسار طويل من الوعي والعناد والالتصاق بالجذور.
انظروا حولكم، دول تُمحى من الخارطة خلال أيام وأنظمة تتبخر خلال ساعات وجيوش تُكسر قبل أن تُستدعى من ثكناتها، ثم يُطلب من الفلسطيني الأعزل إلا من صبره ووعيه أن يفتح حربًا كونية ويخرج منها منتصرًا أو شهيدًا على الأقل، فهذا وحده كفيل بإرضاء جمهور المزايدات وشهية الشاشات ونشوة المذيعين (الضباط).
نحن لا نبحث عن بطولة رخيصة بل عن وطن قابل للحياة ولا نطارد مجدًا مؤقتًا بل حرية دائمة ولا نريد أن نكون نشرة عاجلة بل قصة بقاء طويلة تكتبها الأجيال.
لسنا أذكى من العالم لكننا بالتأكيد أقل غباءً من أن نكرر أخطاءه ولسنا أقوى من الإمبراطوريات لكننا أقدر منها على الصبر الطويل، وهذا بالذات ما يخيفهم، لأن من يملك نفسًا طويلًا يهزم من يملك عضلات سريعة التعب.
ولهذا كله حين يسألون: لماذا لا نشتبك؟ نبتسم بسخرية باردة ونجيب: لأننا نعرف متى نغضب ومتى نصمت ومتى نعضّ على الجرح ومتى نبتسم للزمن حتى يتعب ومتى نحفظ دم أبناء شعبنا كأقدس ما نملك.
وفي الختام دعوة من قلب أنهكته الدماء وأثقلته المقابر: كفى قتلًا كفى جنون قوة كفى تحويل شعوب كاملة إلى وقود لنشرات الأخبار، كفى تصدير الوهم على هيئة بطولة وكفى ترويج الفناء بوصفه شرفًا.
ليت العالم يتعلم أن السلام ليس ضعفًا وأن وقف القتل ليس هزيمة، وأن إنقاذ الإنسان هو أعظم انتصار وأن الحياة الكريمة أسمى من كل شعارات الموت.
نحن أبناء شعب يعشق الحياة بقدر ما يكره الظلم ويؤمن أن هذه الأرض تستحق أن تُروى بالزيتون لا بالدم وبالأغاني لا بالنواح وبالعدالة لا بالمجازر وأن السلام العادل هو النهاية الوحيدة التي تليق بكل هذا الصبر.
فلسطين لا تحتاج إلى انتحاريين سياسيين بل إلى حكماء عنيدين يُتقنون فن البقاء حتى تأتي ساعة السلام… وساعة الانتصار.
بقلم :شادي عياد





