في مشهد سياسي أشبه بروايات الإثارة البوليسية، تتقاطع خيوط ملفات جيفري إبستين الجنسية مع حسابات الحرب والسلام في الشرق الأوسط، لتقدم نموذجاً صارخاً على انحدار الخطاب الأخلاقي الغربي إلى مستويات غير مسبوقة. فبعد الإفراج عن أكثر من 3.5 ملايين صفحة من الوثائق المرتبطة بقضية إبستين مطلع فبراير 2026، عادت الفضيضة إلى الواجهة بقوة، لكن هذه المرة بزاوية مختلفة تماماً: هل يمكن أن تكون هذه الملفات ورقة ضغط إسرائيلية بامتياز ضد الرئيس دونالد ترامب، بهدف إجباره على توجيه ضربة عسكرية لإيران؟ وما طرح كسؤال فرضية قبل أسابيع، بات اليوم مادة لنقاش علني على أعلى المستويات، خصوصاً بعد تصريحات ضابط استخبارات إسرائيلي سابق أكد فيها أن بنيامين نتنياهو يهدد ترامب بكشف تفاصيل محرجة عن علاقته بإبستين إذا لم يمتثل للمطالب الإسرائيلية في الملف الإيراني .
هذه الرواية التي كانت تبدو في السابق مجرد تخمينات صحفية، اكتسبت مصداقية متزايدة مع تزامن الإفراج عن الدفعات الأولى من الملفات مع تصعيد عسكري غير مسبوق في المنطقة، وإعلان واشنطن وتل أبيب عن استعدادات مشتركة لتوجيه ضربات للمنشآت النووية الإيرانية. ففي الأيام التي أعقبت نشر الوثائق، كثفت إسرائيل غاراتها على مواقع في سوريا والعراق ترتبط بإيران، بينما أجرت القيادة الوسطى الأمريكية مناورات واسعة في الخليج، ونقلت مصادر دبلوماسية عن مسؤولين في البنتاغون قولهم إن “الخيارات العسكرية أصبحت مطروحة بقوة على الطاولة” . لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل هذه التحركات نابعة من قناعة استراتيجية أم أنها استجابة لابتزاز سياسي من النوع الأكثر قذارة؟
منذ اللحظة الأولى للإفراج عن الملفات، لاحظ المراقبون توقيتاً غريباً لهذه الخطوة. فوزارة العدل الأمريكية كانت تمتلك هذه الوثائق لسنوات، وأفرجت عنها على دفعات بموجب قانون الشفافية الذي أقره الكونغرس في نوفمبر 2025 بعد ضغوط شعبية هائلة . لكن ما أثار الريبة هو أن الإفراج تزامن مع اشتداد الخلاف بين ترامب ونتنياهو حول كيفية التعامل مع إيران، حيث كان الرئيس الأمريكي لا يزال معلقاً بين رغبته في تجنب حرب كبرى وبين الضغوط الإسرائيلية لاتخاذ موقف أكثر تشدداً. وهنا تبرز “نظرية الابتزاز” التي يروجها محللون عدة، وأبرزهم آري بن مناحي، الضابط السابق في المخابرات الإسرائيلية، الذي كشف في مقابلة مع موقع Consortium News أن إبستين كان عميلاً للموساد لسنوات، وأن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي يمتلك تسجيلات ومقاطع فيديو لشخصيات أمريكية كبرى، بينها ترامب نفسه، في أوضاع مخلة .
لكن قراءة متأنية للسياق القانوني والسياسي تكشف أن الصورة أكثر تعقيداً من مجرد عملية ابتزاز مباشرة. فبحسب تحليل نشره موقع Tehran Times، لا توجد علاقة سببية مباشرة بين فضيحة إبستين وقرار أمريكي محتمل بشن حرب على إيران، ذلك أن الإفراج عن الوثائق جاء في إطار التزام قانوني وليس توقيتاً استخباراتياً مدبراً . فالرئيس ترامب، الذي عارض قانون الشفافية لأشهر، وجد نفسه مضطراً للتوقيع عليه تحت ضغط من حزبه الجمهوري الذي أدرك أن استمرار التغطية على القضية سيؤدي إلى تآكل رأس ماله السياسي. وبالتالي، فإن الإفراج عن الملفات كان نتاج ضغط شعبي وقانوني، وليس عملية ابتزاز إسرائيلية، كما يحاول البعض تصويره .
لكن هذه القراءة القانونية لا تنفي وجود محاولات إسرائيلية لاستغلال الملفات كورقة ضغط. ففي game theory السياسة الدولية، التوقيت هو كل شيء. وما يثير الشكوك حقاً هو أن الدفعات الأولى من الملفات تضمنت أسماء مثيرة للجدل، لكنها تجنبت بعناية كشف تفاصيل كاملة عن علاقة ترامب بإبستين، رغم وجود أدلة موثقة على علاقة وثيمة بين الرجلين تمتد لعقود. وثيقة فيدرالية رفعت عنها السرية مؤخراً كشفت عن مذكرة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) من أكتوبر 2020، تشير إلى أن مصدراً استخباراتياً وصف ترامب بأنه “عرضة للنفوذ الإسرائيلي من خلال ضغوط مالية وسياسية” . هذه الإشارة تعزز النظرية القائلة بأن الموساد يمتلك بالفعل مواد مساومة بحق الرئيس الأمريكي، ويستخدمها بمهارة لتوجيه قراراته الكبرى.
وعلى المستوى الشعبي، لم يغب هذا البعد عن وعي الرأي العام، خصوصاً في إيران التي تعتبر الهدف المباشر لهذه الضغوط. فقد تفاعل نشطاء إيرانيون على منصة إكس بشكل واسع مع تطورات القضية، وكتبوا في تغريدات لاقت انتشاراً كبيراً: “نحن أمة الإمام الحسين، وهم أمة إبستين”، في إشارة إلى المواجهة الأخلاقية بين الجمهورية الإسلامية التي ترفع شعارات الدين والمقاومة، وبين الإدارة الأمريكية التي تورط كبار مسؤوليها في قضايا exploitation جنسية منظمة . هذه المقارنة تحمل دلالات عميقة، إذ تقدم الصراع مع إيران ليس كمواجهة عادية بين دولتين، بل كمعركة وجودية بين “الخير والشر” كما يراه الإيرانيون، حيث يمثل الجانب الأمريكي -الإسرائيلي الانحدار الأخلاقي والفساد السياسي بامتياز.
وفي سياق متصل، حذّر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، من أن فضيحة إبستين قد تكون “مشروعاً سياسياً طويل الأمد لخدمة أهداف أطراف معينة، خصوصاً الكيان الصهيوني” . وأضاف أن “تقارير متعددة تشير إلى أن الكيان الصهيوني أو غيره استغل هذه القضايا لتحقيق أهداف سياسية، مما يعزز الشك في أن القضية برمتها قد تكون مشروعاً استخباراتياً ضخماً”. هذا التصريح الرسمي يعكس قلقاً حقيقياً في طهران من أن تكون قادمة على مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، ليس بسبب تصعيد إيراني، بل لأن واشنطن باتت رهينة لملفات قذرة تمسك بها الموساد.
لكن من المغالاة اختزال الصراع مع إيران في مجرد ضغوط ابتزازية ناتجة عن ملفات إبستين. فالصراع الأمريكي -الإيراني أعمق وأكثر جذرية من أن يُختزل في فضيحة جنسية، مهما كانت كبرى. منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، والولايات المتحدة تخوض مواجهة مفتوحة مع إيران على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، ليس بسبب برنامجها النووي أو صواريخها الباليستية، بل بسبب “فلسفة الثورة” التي رفعها الإمام الخميني، فلسفة ترفض الهيمنة الأمريكية وتضع فلسطين في صلب العدالة الإنسانية . من هذا المنظور، الحرب على إيران ليست ردة فعل على أزمات عابرة أو فضائح مفاجئة، بل هي جهد متواصل لتحييد فكرة ثورية تشكل نموذجاً بديلاً قائماً على السيادة والشرعية الشعبية والاصطفاف مع المستضعفين.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن ملفات إبستين أضافت بعداً جديداً لهذا الصراع، وربما تكون قد عجلت في اتخاذ قرارات كانت الإدارة الأمريكية تتردد فيها. فترامب، الذي يظهر في أكثر من وثيقة كصديق مقرب لإبستين، بل ويُشار إلى رسالة عيد ميلاد “بذيئة” كما وصفتها بعض المصادر، يجد نفسه اليوم في موقف لا يحسد عليه . فمن جهة، يدفعه حلفاؤه الجمهوريون والإسرائيليون لتوجيه ضربة عسكرية تحسم الملف الإيراني لصالحهم. ومن جهة أخرى، يعلم أي تصعيد عسكري كبير سيؤدي إلى توسيع نطاق التحقيقات الصحفية والرقابة البرلمانية، مما قد يكشف المزيد من التفاصيل المحرجة حول علاقته بإبستين، ويحوله من رئيس قوي إلى متهم في قضية أخلاقية كبرى . وبهذا المعنى، فإن ملفات إبستين تشكل عامل تقييد وليس عامل دفع نحو الحرب.
لكن تحليل Colombo Telegraph يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يرى أن “إدارة ترامب للفضيحة تعكس أزمة مصداقية عميقة في النظام السياسي الغربي”. فالرئيس الذي وعد في حملته الانتخابية بـ”تجفيف المستنقع” وكشف ملفات إبستين بالكامل، هو نفسه من يقف اليوم عائقاً أمام الشفافية الكاملة، ويستخدم حيلاً قانونية وإجرائية لعرقلة نشر الوثائق الأكثر حساسية . قاضٍ فيدرالي وصف مؤخراً المناورة القانونية التي يقوم بها ترامب للحصول على 70 صفحة فقط من محاضر هيئة المحلفين الكبرى بأنها “تحويلية”، مشيراً إلى أن الحكومة تملك حوالي 100 ألف صفحة من الوثائق الأخرى المتعلقة بإبستين ولا تحتاج لأمر قضائي لنشرها، لكنها تمتنع عن ذلك .
هذه الازدواجية الأخلاقية هي التي تفسر لماذا يجد ترامب نفسه اليوم عالقاً بين مطرقة الابتزاز الإسرائيلي وسندان الرأي العام الأمريكي. فنتنياهو، الذي زار البيت الأبيض مراراً في الأسابيع الأخيرة، يدرك أن ترامب يريد تجنب حرب شاملة مع إيران، لكنه في المقابل يمتلك أوراقاً قد تكون مدمرة. وهنا يدخل الابتزاز المتبادل: إذا كان نتنياهو يهدد بكشف ملفات إبستين، فإن ترامب يمتلك بدوره أوراق ضغط على إسرائيل، خصوصاً فيما يتعلق بالمساعدات العسكرية والدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية. الصراع إذاً ليس بين خصمين أحدهما قوي والآخر ضعيف، بل بين شريكين في الجريمة، يدرك كل منهما نقاط ضعف الآخر ويحاول استغلالها .
وفي خضم هذا كله، تبقى إيران تراقب المشهد بحذر. فطهران التي اعتادت على قراءة السياسة الأمريكية بعمق، تدرك أن التهديدات التي تطلقها واشنطن اليوم ليست نابعة بالضرورة من قناعة استراتيجية أمريكية، بل قد تكون ردة فعل على ضغوط داخلية وخارجية لا علاقة لها بإيران ذاتها. وهذا يفسر اللهجة الإيرانية المتفاوتة تجاه التهديدات الأمريكية، بين التصعيد أحياناً والتغاضي أحياناً أخرى. فطهران تنتظر أن يحسم الصراع الدائر في واشنطن نفسه، قبل أن تقرر كيفية الرد على أي عدوان محتمل.
لكن اللافت في هذه القضية برمتها هو الصمت الغربي المطبق تجاه الأبعاد الاستخباراتية لعلاقة إبستين بالموساد. فرغم أن مذكرة FBI التي رفعت عنها السرية أكدت أن مصدراً استخباراتياً وصف إبستين بأنه “عميل موساد مُجنّد”، وتم تدريبه كجاسوس لصالح إسرائيل ، إلا أن وسائل الإعلام الغربية الرئيسية تتجنب الخوض في هذه التفاصيل، وتكتفي بتغطية الفضيحة من زاويتها الأخلاقية فقط. هذا الصوت المرتفع عن الفساد الأخلاقي والصوت الخافت عن الأبعاد السياسية والاستخباراتية، يعزز الانطباع بأن الفضيحة أكبر بكثير مما يُكشف عنه، وأن الأطراف الحقيقية التي تقف خلفها لا تزال في الظل.
ما بين ملفات إبستين وخيار الحرب على إيران، يقف ترامب اليوم في مفترق طرق خطير. فإذا استجاب للضغوط الإسرائيلية وشن ضربة عسكرية، فإنه يخاطر بتوريط الولايات المتحدة في حرب إقليمية واسعة، وقد تكون كلفتها باهظة على الاقتصاد الأمريكي واستقرار المنطقة. وإذا رفض الانصياع، فإنه يخاطر بكشف ملفات قد تكون مدمرة لصورته السياسية وإرثه الشخصي. في كلتا الحالتين، يبدو أن ترامب خاسر، وأن الأزمة الأخلاقية التي كشفت عنها ملفات إبستين ستظل تطارد الرئاسة الأمريكية مهما كان القرار الذي سيتخذه.
وفي الخلاصة، يمكن القول إن ملفات إبستين لم تكن مجرد فضيحة جنسية عابرة، بل تحولت إلى أداة جيوسياسية بامتياز، تعيد تشكيل تحالفات المنطقة وتضع القرار الأمريكي رهن مصالح وتوازنات لا علاقة لها بالأمن القومي الأمريكي بقدر ما ترتبط بملفات شخصية وقذرة لصناع القرار أنفسهم. هذه هي المفارقة الكبرى: دولة تدّعي قيادة “العالم الحر” وتقديم نفسها كنموذج أخلاقي للديمقراطية وحقوق الإنسان، تكتشف أن قراراتها المصيرية قد تكون خاضعة لابتزاز عصابات جنسية وتجارة بشرية. أمام هذا المشهد، يبدو السؤال الإيراني مشروعاً: من يملك حق توجيه الاتهامات الأخلاقية للآخرين؟ وأي مصداقية يمكن أن تحظى بها إدارة تتورط كبار مسؤوليها في قضية بهذا الحجم من الانحدار؟ .
الغرب الذي يدّعي الدفاع عن القيم الإنسانية يجد نفسه اليوم عارياً أمام العالم، مكشوف الأوراق، يرتدي ثوباً أخلاقياً بالياً لا يستر فضائحه. وفي هذا العراء، تطل إيران بخطابها الثوري القديم الجديد: ها نحن أمة الإمام الحسين، وها أنتم أمة إبستين، والصراع بيننا ليس صراع دول أو مصالح، بل صراع قيم ومبادئ. وفي هذه المعادلة، قد يكون المنتصر الحقيقي هو من يحتفظ ببوصلة أخلاقية سليمة، في عالم تاهت فيه بوصلات السياسة والأخلاق معاً .






