تداعيات اغتيال خامنئي

عمر حلمي الغول

اعترفت وأعلنت الرئاسة والقيادة الإيرانية باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في الهجوم الإسرائيلي الأميركي الأول صباح أول أمس السبت 28 شباط / فبراير الماضي، وسقط معه العديد من القيادات السياسية والعسكرية والأمنية، وهو ما يعتبر إنجازا أمنيا وعسكريا وسياسيا لكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس دونالد ترمب، وتؤكد عملية الاغتيال فشل القيادات الأمنية والسياسية الإيرانية في التقدير الدقيق للتعامل مع التهديد الأميركي الاسرائيلي، الذي لم يكن تهديدا استعراضيا. كما ان المفاوضات مع الجانب الأميركي، التي اتسمت بطابع الخداع التضليلي والتسويفي أعمت بصيرة قيادة النظام الإيراني، وهو ما يؤكد انهم (الإيرانيون) لم يتعلموا من درس الأمس القريب جدا، حرب ال 12 يوما في حزيران/ يونيو 2025، كما يكشف عن قدرة ومواصلة العملاء الإسرائيليين والأميركيين في تقديم خدماتهم لسادتهم في واشنطن وتل ابيب، ووجود ثغرات واختراقات هامة في بنية النظام الفارسي الأمنية، ومازال النظام الإيراني يعاني من تآكل بنية في النظام والدولة على حد سواء الاجتماعية والسياسية والأمنية العسكرية، وتعود الاسباب الرئيسة في هذا المجال الى: أولا العلاقات التحالفية السابقة بين النظام وإسرائيل والولايات المتحدة؛ ثانيا استعداء النظام للأقليات والأثنيات القومية والطوائف والمذاهب الدينية؛ ثالثا الطابع البوليسي الاستبدادي لنظام الفارسي، وخنق الحريات الشخصية والعامة؛ رابعا التضخم المالي الكبير، وانهيار العملة الإيرانية وتعمق الازمة الاقتصادية، مما دفع قوى عديدة لبيع نفسها بثمن بخس للدول الأخرى.
وبالعودة لعنوان المقال، فإن المرشد خامنئي قاد إيران على مدار 37 عاما، بعدما تولى دور ولي الفقيه عام 1989، في اعقاب رحيل الخميني المرشد الأول والمؤسس لنظام الملالي عام 1979، حيث سمحت له ولايته في تعمق صياغة النظام وفق رؤيته، التي لا تحيد عن المبادئ التي كرسها سيد النظام المؤسس، لكنه ترك بصمة هامة تحاكي سماته وتعاليمه، وترك أثرا بالغا في المشهد الإيراني والإقليمي والدولي، وكان رقما صعبا في المعادلة الإيرانية. وبالتالي فإن غيابه ترك أثرا معنويا كبيرا في الساحة الإيرانية عموما، وعلى مؤسسة النظام بقطاعاتها المختلفة السياسية والدبلوماسية والقضائية والعسكرية الأمنية والدينية، وهو ما يؤكد أهمية الفرد القائد في بنية النظام والمجتمع، ومع ذلك، فأن النظام حتى اللحظة الراهنة مازال واقفا على قدميه، وتمكن من اختيار مجلس قيادة مؤقت مشكل من الثلاثي: رئيس الدولة مسعود بزشكيان، ورئيس مجلس القضاء، وأحد فقهاء مجلس تشخيص مصلحة النظام، وهذا ما عكسه تصريح مصور للرجل القوي في النظام، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، الذي بثه التلفزيون الإيراني قال إن ” العدو واهم بأن اغتيال القادة سيزعزع إيران”، وأضاف “تم تشكيل مجلس قيادة مؤقت وفق الدستور يتسلم مسؤوليات القائد حتى اختيار خلفا للمرشد الراحل، وذلك لضمان استمرارية إدارة شؤون الدولة، وعدم حدوث فراغ قيادي خلال هذه المرحلة الحساسة.
ما هي التداعيات الناجمة عن اغتيال المرشد خامنئي: أولا التأثير المعنوي الكبير؛ ثانيا على أهمية مكانة المرشد كرأس للنظام، الا أن النظام لم يتأثر، وبقي في حالة تماسك، لأن مركبات بنائه معقدة، وبقدر ما تحتله شخصية الفرد القائد من أهمية، بذات القدر وأكثر الأهمية تتمثل في ديمومة النظام السياسي؛ ثالثا نصت مواد الدستور (المادتان 109 و111) بشكل واضح على ملئ الفراغ فورا في حالة شغور موقع المرشد الاعلى، وتجاوز أية انعكاسات سلبية؛ رابعا تأخير الإعلان عن اغتيال خامنئي يعود لترتيب شؤون الهيئة القيادية، وتمريره بسلاسة، حيث اعترفت القيادة أولا بسقوط عدد من القيادات في الضربة الأولى، ثم اعلنوا عن وفاة ابنته وزوجها، وأخيرا بثوا الخبر صباح أمس الاحد الأول من اذار/ مارس الحالي.
وبناءً على ما تقدم، فإن القيادة الإيرانية بعدما اختارت المجلس المؤقت وفق الدستور، سيتم دعوة اركان مجلس تشخيص مصلحة النظام (أو مجلس خبراء القيادة)، المكون من 80 شخصية قيادية لاختيار خلف للمرشد السابق. وإن لم يتمكن المجلس من اختيار خلف له، يستلم المجلس المؤقت القيادة لإدارة شؤون البلاد لحين التوافق على الرجل المناسب. لكن المرشد السابق كان رشح ثلاثة شخصيات لتولي المسؤولية بدلا عنه في اعقاب حرب ال 12 يوما الماضية. وبالتالي اعتقد أن المجلس سيختار أحدهم، ولكن في حال لم يتم التوافق على أي منهم، فإما العودة لاستمرارية المجلس المؤقت، أو تبادر مجموعة من النافذين في الحرس الثوري بالسيطرة الناعمة على مقاليد الأمور، وهذا يعني انقلابا على الدستور، ولهذا انعكاسات سلبية على النظام السياسي الإيراني.
وفي دائرة الاستشراف لمرحلة ما بعد خامنئي، لا يجوز تجاوز أو تجاهل دور الحلف الأميركي الإسرائيلي الذي شن الحرب لزعزعة اركان النظام، إن لم يتمكنوا من اسقاطه في الحرب الحالية، فقد يلجأون لإرسال مجموعات عصابية من أبناء الاثنيات الانفصالية، أو التيارات الدينية المعادية للنظام لخلق البلابل والقلاقل في ارجاء البلاد، وخاصة في الولايات والمقاطعات الحدودية التي تعاني من ضعف سيطرة السلطة المركزية على النظام فيها، حتى اسقاط النظام، إن تمكنت، وقد يكون هناك سيناريوهات أخرى.
[email protected]
[email protected]