الهوية بين التجسيد والنفي:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليست الهوية سؤالاً لغوياً عابراً يمكن حسمه بتعريفٍ اصطلاحي أو توصيفٍ ثقافي جاهز، بل هي واحدة من أعقد الإشكاليات التي واجهت الإنسان منذ أن بدأ وعيه يلتفت إلى ذاته بوصفها كياناً تاريخياً يعيش بين الذاكرة والواقع، وبين الانتماء والاختيار. فالهوية ليست قناعاً نرتديه حين نشاء ونخلعه حين نملّ، كما أنها ليست قدراً صلداً خارج التاريخ؛ إنها عملية مستمرة من التشكّل، صراعٌ بين ما نرثه وما نصنعه، بين الجذور التي تمنح المعنى والأفق الذي يطالب بالتحرر.
وفي عالمٍ تتسارع فيه العولمة وتتآكل فيه الحدود الرمزية والثقافية، لم يعد سؤال الهوية ترفاً فكرياً، بل أصبح سؤال بقاء. فإما أن تتحول الهوية إلى طاقةٍ خلاقة تمنح الإنسان القدرة على المشاركة في العالم، أو تنقلب إلى قيدٍ خانق يختزل الوجود في انتماءٍ ضيق، ويحوّل الذاكرة إلى متراسٍ دفاعي ضد المستقبل.
الهوية بين مشروع التجسيد وإغراء النفي
كثيرة هي المحاولات التي سعت ـ وما تزال ـ إلى تفكيك الهويات أو إعادة تشكيلها وفق موازين القوة السياسية والثقافية في العالم. ولم تكن الهوية العربية استثناءً من هذا المسار؛ فقد تعرضت لضغوطٍ متعددة بين الاستعمار القديم وهيمنة المركزية الثقافية الحديثة، الأمر الذي دفع عدداً كبيراً من المفكرين والفلاسفة إلى إعادة مساءلة مفهومها.
في هذا السياق، قدّم عالم النفس والفيلسوف الإنساني إريك فروم قراءة عميقة في كتابه الخوف من الحرية، حيث كشف أن الإنسان قد يهرب من ذاته حين تصبح الحرية عبئاً وجودياً. فالخوف من الاختيار يدفع الفرد أحياناً إلى الاحتماء بهويات جاهزة تمنحه الأمان حتى لو سلبته فرديته.
ومن هنا تتكاثر المقاربات الفكرية التي حاولت فهم الهوية بين بعدها الأنثروبولوجي والسوسيولوجي؛ بدءاً من أطروحة أمين معلوف في كتابه الهويات القاتلة، حيث تتحول الهوية الأحادية إلى أداة عنف، مروراً بأعمال المفكر اللبناني نديم البيطار حول حدود الهوية القومية، وصولاً إلى أطروحات المؤرخ وجيه كوثراني الذي رأى في تضخم الهوية مؤشراً على خلل المواطنة لا قوتها.
غير أن لوناً آخر ظلّ غائباً عن هذا النقاش: الهروب من الهوية نفسها.
الهروب من الهوية: بين الاندماج والتقية
يمكن التمييز بين فئتين تهربان من سؤال الهوية الوجودي.
الفئة الأولى تسعى إلى الاندماج الكامل في هوية أقوى أملاً في الأمان الاجتماعي أو الاعتراف السياسي. إنها عملية تماهٍ تصل أحياناً إلى حدود الانسحاق، حيث تُستبدل الأسماء والطقوس والذاكرة الجمعية ببدائل جديدة. وقد سبق للمؤرخ الاجتماعي ابن خلدون أن وصف هذه الظاهرة حين تحدّث عن تماهي المغلوب بالغالب وفقدانه التدريجي لخصائصه الثقافية.
أما الفئة الثانية فتسلك طريقاً معاكساً؛ إذ تحوّل ثقافتها إلى سرٍّ باطني، تمارسها في الخفاء تحت ضغط الأنظمة الشمولية أو الهيمنة الإثنية. وهنا تنشأ ازدواجية وجودية قاسية: إنسانٌ يعيش «نهار الدولة» بشخصية مفروضة، و«ليل الذات» بهوية مختلفة تماماً.
وقد شهدت دول عديدة ـ خصوصاً في مرحلة ما قبل انهيار الاتحاد السوفييتي ـ مثل هذه الظاهرة، حيث أدى القمع الطويل إلى إنتاج إنسان مزدوج الوعي، أقرب إلى الانشطار النفسي منه إلى التعدد الثقافي.
حين تتصدّع الدولة: انفجار الهويات الصغرى
ما إن تتصدع قشرة الدولة حتى تتفجر الهويات المكبوتة دفعة واحدة. خلال العقود الثلاثة الأخيرة بدا العالم وكأنه يدخل حرباً بطيئة لا تُخاض بالدبابات وحدها، بل بالذاكرة واللغة والإعلام.
فوسائل الإعلام، وخاصة منصات التواصل الاجتماعي، لم تعد مجرد ناقل للخطاب، بل أصبحت منتجاً للهويات ذاتها. والمفارقة أن أكثر الأطروحات تداولاً ليست بالضرورة الأكثر عمقاً؛ إذ غالباً ما تبقى الدراسات الجادة حبيسة مراكز الأبحاث، عسيرة التداول داخل مجتمعات تعاني نسباً مرتفعة من الأمية التعليمية والمعرفية.
الهوية كإشكال فلسفي: من شكسبير إلى فوكو
يستحضر عالم الاجتماع العراقي فالح عبد الجبار في مقالته «أن تكون بهوية أو لا تكون» سؤالاً وجودياً قريباً من حيرة ويليام شكسبير حين تساءل عن موضع الشرف أو الكرامة داخل جسد الإنسان. فأين تقيم الهوية؟ هل هي في اللغة؟ أم في الذاكرة؟ أم في الاعتراف الاجتماعي؟
لهذا تبدو الهوية أقرب إلى «السهل الممتنع»؛ سراباً يعد باليقين لكنه يضاعف الحيرة.
ويرى عبد الجبار أن كثيراً من المفاهيم الاجتماعية اصطناعات بشرية تتحول أحياناً إلى سلاسل تقيد صانعيها. وهو يستعيد هنا أطروحات الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول انقلاب الأدوات على مستخدميها؛ فاللغة التي وُجدت للتواصل قد تتحول إلى سلطة تضبط التفكير ذاته.
الساعة الخامسة والعشرون: الهوية كاختناق وجودي
ولعل أكثر الاستعارات عمقاً تلك التي استلهمها عبد الجبار من رواية الساعة الخامسة والعشرون للكاتب الروماني كوستانتين جيورجيو، حيث يحمل الغواصون أرنباً لقياس الأوكسجين تحت الماء. وحين يموت الأرنب يعرفون أن ساعة واحدة فقط تفصلهم عن الغرق.
تلك «الساعة الإضافية» تصبح رمزاً لعصرٍ كامل؛ لحظة يدرك فيها الإنسان أن الأنظمة الصناعية والبيروقراطية الحديثة حوّلته إلى رقم فاقد الاسم والانتماء.
وفي هذا المعنى، يغدو المنفي أو المهجّر أو المختلف أيديولوجياً نسخة جديدة من بطل الرواية؛ إنسان يبحث عن سطحٍ يلتقط فيه أنفاسه قبل الاختناق النهائي.
الهوية كشرنقة أيديولوجية
هل تختلف هذه الرؤية كثيراً عن مفهوم الهوية القاتلة أو الهوية العصابية؟
حين تتحول الهوية إلى شرنقة أيديولوجية، تتوقف داخلها عملية النمو. إنها أشبه بالحذاء الحديدي الصيني الذي كان يمنع قدم الطفل من النمو حفاظاً على شكلٍ جمالـيٍّ مفروض.
وهنا يظهر الفارق بين مقاربتين: الأولى توصيفية موسمية مرتبطة بلحظة سياسية محددة، والثانية حفريّة تنبش الجذور الأنثروبولوجية للانتماء الإنساني. الأولى قصيرة العمر، أما الثانية فتعبر الثقافات لأنها تنطلق من قلق إنساني مشترك.
ما قبل الدولة: عودة القبيلة
حين يتقشر الطلاء الحداثوي عن الأحزاب والمؤسسات في منطقتنا يظهر تحتها نسيج القبيلة أو الطائفة. فالنمو السياسي لم يكن عضوياً بقدر ما كان تركيباً استعمارياً سريعاً.
لقد صاغ الاستعمار أنظمة ملكية وجمهورية وفق مصالحه، كما لو أنه يبني نماذج مصغّرة من مؤسساته، برلماناتٍ بلا روح، تشبه ديكوراً سياسياً أكثر مما تشبه مجتمعاً حياً.
ومن هنا يمكن فهم مقاربة كوثراني حول «فائض الهوية ونقصان المواطنة»، حيث يصبح تضخم الخطاب الهوياتي ستاراً يخفي هشاشة الدولة الحديثة.
بين النشيد الوطني والهشاشة السياسية
يشير الروائي التشيكي الفرنسي ميلان كونديرا إلى مفارقة لافتة: كلما كانت الدولة أصغر أو أقل فاعلية ازداد تورم خطابها الرمزي، حتى يتحول النشيد الوطني إلى سردية بطولية متخمة بالمبالغات الدونكيشوتية.
فالضجيج الرمزي قد يكون تعويضاً عن نقص الفعل.
خاتمة: الهوية بوصفها عبوراً لا سجناً
إن القاسم المشترك بين معظم هذه الأطروحات هو الإحساس بالاختناق حين تتحول الهوية إلى صنم. لكنها، في المقابل، ليست وهماً ينبغي نفيه بالكامل؛ فالإنسان بلا هوية يفقد ذاكرته، والإنسان الأسير لهوية مغلقة يفقد مستقبله.
الهوية الحيّة إذن ليست تجسيداً نهائياً ولا نفياً مطلقاً، بل عبور دائم بين الاثنين: جذورٌ تمنح المعنى، وأجنحة تسمح بالطيران.
وحين تنجح المجتمعات في تحقيق هذا التوازن، تتحول الهوية من زنزانةٍ إلى أفق، ومن شعارٍ سياسي إلى تجربة إنسانية قادرة على أن ترى الآخر لا تهديداً، بل مرآةً ضرورية لاكتمال الذات.