رئيس الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين – فرع اليمن
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، ويشتد فيه الصراع على الرواية قبل الميدان، يبرز صوت الكاتب عمران الخطيب بوصفه قلمًا لا يتردد في مقاربة الملفات الحساسة وفتح أبواب النقاش حول أداء المؤسسات الإعلامية الكبرى في لحظات التحول التاريخي. فمقالته الأخيرة لم تكن مجرد رأي عابر، بل قراءة نقدية حاولت مساءلة دور الإعلام، وتحديدًا قناة الجزيرة، في تغطية الصراعات الجارية في المنطقة.
ينطلق الخطيب من فكرة محورية مفادها أن الإعلام ليس ناقلًا محايدًا للأحداث فحسب، بل فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الوعي الجمعي وصياغة الاتجاهات. ومن هذا المنطلق، طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة التغطيات الأخيرة، ومعايير اختيار الضيوف، ومساحة الحضور الممنوحة للروايات المختلفة. لقد لاحظ — كما يرى — وجود تقاطعات لافتة في بعض الأحيان مع السردية الإسرائيلية، ليس بالضرورة على المستوى السياسي المباشر، بل في الشكل والمضمون المهني، وهو ما يستدعي التوقف عنده بجدية.
هذه الملاحظة تفتح الباب أمام سؤال أعمق: هل الإعلام في زمن الحروب مجرد ناقل للحدث، أم شريك في صناعته؟ الواقع أن الإعلام اليوم لم يعد يسجل التاريخ فقط، بل يساهم أحيانًا في كتابته، خصوصًا في ظل حروب الجيل الرابع حيث تصبح الرواية جزءًا أصيلًا من المعركة، وتغدو الصورة والكلمة عنصرًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن أي أداة أخرى.
لا يمكن فصل هذا الجدل عن النقاش العالمي حول التحيز الإعلامي في تغطية النزاعات. فقد أظهرت دراسات أكاديمية حديثة أن بعض وسائل الإعلام الغربية تميل إلى إبراز الضحايا الإسرائيليين بصورة فردية وإنسانية، مقابل تقديم الضحايا الفلسطينيين بصيغة جماعية مجردة، ما يخلق تفاوتًا في مستوى التعاطف والتفاعل الجماهيري. هذا النوع من الأبحاث يعكس أن مسألة التوازن الإعلامي ليست حكرًا على مؤسسة بعينها، بل هي إشكالية عالمية تمس بنية الخطاب الإعلامي ذاته.
لقد كانت قوة الجزيرة تاريخيًا في كونها صوتًا لمن لا صوت له في المنطقة، وعندما يشعر جزء من الجمهور بأن هذه الخصوصية تتراجع لصالح توازن شكلي قد يخلق مساواة مصطنعة بين الضحية والجلاد، هنا يظهر النقد كحاجة جماهيرية للحفاظ على الهوية والرسالة. وبين من يرى في الجزيرة منصة تكشف ما تتجنبه وسائل إعلام أخرى، ومن يعتبر أن بعض تغطياتها تحتاج إلى مراجعة، يبقى الجدل مفتوحًا وصحيًا.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه قطر في خطابها السياسي دعمها لقضايا المقاومة، يرى بعض النقاد — ومنهم الخطيب — أن ثمة فجوة متنامية بين الخطاب السياسي والأداء الإعلامي في بعض المحطات، وهو ما يدفع إلى طرح أسئلة مشروعة حول طبيعة التحولات وأسبابها. هل هي مراجعات داخلية ذاتية؟ أم استجابة لمعادلات جيوسياسية أكبر؟ أم مجرد اجتهادات مهنية قابلة للنقاش؟ هذه التساؤلات تجعل من النقد ضرورة لفهم المشهد لا خصومة معه.
إن الإشادة هنا لا تعني الاصطفاف المطلق مع كل ما ورد في الطرح، بل تقدير جرأة الكاتب في تحفيز النقاش العام حول دور الإعلام ومسؤوليته الأخلاقية والمهنية في أوقات الأزمات. فالمجتمعات الحية لا تتقدم إلا عبر الحوار المفتوح، والنقد المسؤول، والقدرة على مراجعة الذات.
يبقى القول إن الإعلام الذي لا يُنتقد يفقد صلته بجمهوره. وتحريك المياه الراكدة في هذا الملف الحساس هو خدمة للمؤسسة قبل أن يكون خصومة معها، لأنه يذكرها برسالتها الكبرى في زمن تشتد فيه الحاجة إلى بوصلة أخلاقية ومهنية واضحة.
تحية تقدير للكاتب عمران الخطيب، الذي اختار أن يخوض معركة الكلمة بوضوح، مؤمنًا بأن مساءلة الإعلام ليست خصومة معه، بل دفاعٌ عن رسالته الأصلية: البحث عن الحقيقة وخدمة وعي الناس.







