نحن الذين نستيقظ على خبر حرب وننام على تحليل حرب ونختلف في منتصف النهار حول تعريف الحرب. نحن الذين نحفظ أسماء العمليات أكثر مما نحفظ أسماء أولادنا. نحن الذين نضحك في الجنازات لأننا تعبنا من البكاء ونبكي في الأعراس لأن الفرح صار تهمة.
نسأل أنفسنا نحن مع من وضد من فنكتشف أن السؤال أكبر منا وأصغر من وجعنا.
نحن شعب إذا غضب اتهم وإذا صبر اتهم وإذا سأل اتهم وإذا صمت اتهم. نبحث عن طريق فنجد حائطا. نبحث عن خلاص فنجد بيانا. نبحث عن قيادة فنجد لجنة. نبحث عن لجنة فنجد انقساما. نبحث عن الانقسام فنجد أنفسنا.
ثم فجأة نتذكر أننا فلسطين. نعم فلسطين الكلمة التي تشعل العالم إذا نطقناها وتطفئ فينا الكهرباء إذا طالبنا بها.
نحن الذين عشنا حكومات بعدد ساعات اليوم بل بعدد أيام السنة أحيانا. حكومة تولد في مؤتمر صحفي وتكبر في تصريح وتموت في إشاعة. آخر حكومة لا نعرف لها ظهر من جبين ولا نعرف إن كانت تحكمنا أم نحكمها نحن بالصبر والتين .
نحن الذين سندفع الفاتورة دائما. إذا اشتعلت غزة سندفع. إذا اهتز لبنان سندفع. إذا تشاجرت العواصم الكبرى سندفع. وإذا ابتسمت الحكومات في الصور سندفع أيضا.
نحن شعب يتقن دفع الفواتير أكثر مما يتقن قراءة الموازنات. ندفع بالصبر وندفع بالرواتب المبتورة وندفع بالأحلام المؤجلة وندفع بأعمارنا التي تقاس بعدد الحروب والفاسدين لا بعدد السنوات.
نحن شعب تدار حياته على طريقة التجربة والخطأ لكن الخطأ دائما علينا. نستعمل في الخطابات كأبطال وفي الواقع كأرقام ونصفق للقرارات التي لا نفهمها ثم ندفع ثمنها ونحن نفهم ولكن متأخرين. يختلفون فوق الطاولات فنختلف نحن تحتها على رغيف خبز. يتخاصمون على الصلاحيات فنخسر نحن صلاحية الحلم. وحين تسقط الأقنعة نكتشف أننا كنا نحارب بعضنا نيابة عن الجميع ….إلا أنفسنا.
وقبل أن نغرق أكثر في سؤال نحن مين وقبل أن يتحول الضياع إلى عادة يومية لا نستفز منها لا بد من تغيير حقيقي فوري واضح لا يحتمل التأجيل ولا المجاملات. تغيير يعيد ترتيب البيت قبل أن نسأل من يسكنه. تغيير يعرف القرار وينهي رفاهية التجريب في شعب لم يعد يحتمل تجربة إضافية. نريد إدارة تشبه وجع الناس لا نشرات الأخبار ونريد أفعالا تسبق الخطب ومصارحة تسبق التبرير. لأن أخطر ما قد نصل إليه أن نعتاد الفوضى فنحسبها نظاما وأن نعتاد الغموض فنحسبه حكمة.
صرنا لا نفرح لأن الفرح يحتاج طاقة ولا نحزن لأن الحزن يحتاج رفاهية. نحن في منطقة بين الشعور واللا شعور. كأننا نعيش على وضعية الطيران الصامت لكن الطائرة بلا وجهة.
يقولون لنا اصبروا فنصبر ويقولون تحملوا فنتحمل ونحن مقهورين ثم يقولون المرحلة دقيقة. ثم نسأل ومتى لم تكن دقيقة!!!؟؟
نحن لسنا شعبا بلا هوية بل نحن هوية تمشي على قدمين. لكن التوريث والخلاف السياسي جعلنا نبحث عن مرآة لنتأكد أننا ما زلنا نحن. كأننا نعيش في وطن مؤجل وحياة مؤجلة ووعود مؤجلة حتى الغضب مؤجل.
ومع ذلك رغم التعب ورغم السخرية التي صارت وسيلتنا الوحيدة للنجاة ورغم كل هذا الضباب هناك شيء واحد لم يمت.
نحن قد نتعب لكننا لا نتلاشى وقد نضيع الطريق لكننا لا ننسى الاسم قد نختلف لكننا حين يكتب اسم فلسطين نقف جميعا ولو للحظة.
ربما نحن اليوم لا نعرف إن كان علينا ان نفرح أم نحزن لكننا نعرف شيئا واحدا أننا لن نبقى هكذا طويلا ولا إلى الابد .
لأن الشعب الذي يسأل نحن مين هو شعب لم يمت بعد والشعب الذي يشك ويغضب ويسخر ويتألم هو شعب يستعد لقول كلمته.
ونحن نحن فلسطين تعبنا نعم لكننا لم ننته.





