باحث ومحلل، دكتوراة في دراسات غرب آسيا
يشهد الموقف الرسمي الإسباني إزاء الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والتي اندلعت صباح السبت 28 فبراير/شباط 2026، انسجاماً واضحاً بين مؤسسات الدولة المختلفة، مع تأكيد مشترك على رفض التصعيد العسكري والتمسك بالمسار الدبلوماسي.
فقد أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز رفضه الصريح للهجوم العسكري الأمريكي–الإسرائيلي، واصفاً إياه بأنه «تصعيد خطير» وعمل أحادي من شأنه أن يكرّس نظاماً دولياً أكثر عدائية وغموضاً. وشدد سانشيز على ضرورة خفض التصعيد فوراً، والعودة إلى الحوار السياسي، واحترام القانون الدولي باعتباره الإطار الناظم للعلاقات بين الدول. وفي الوقت نفسه، أدان سلوك النظام الإيراني والحرس الثوري، مؤكداً أن هذه الممارسات، مهما بلغت خطورتها، لا تبرر اللجوء إلى عمل عسكري خارج الشرعية الدولية.
من جهته، دعا وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى وقف فوري لأعمال العنف، وحماية المدنيين، واستئناف المفاوضات كسبيل وحيد لتفادي اتساع رقعة النزاع. كما أوضح أن السفارات الإسبانية في المنطقة تتابع عن كثب أوضاع المواطنين الإسبان، وتعمل على ضمان سلامتهم والاستعداد لإجلائهم إذا اقتضت الضرورة.
أما على مستوى المؤسسة الملكية، فقد دعا الملك فيليبي السادس إلى تقييد استخدام القوة وإعطاء الأولوية لحل دبلوماسي للنزاع، في موقف يعكس تقليد السياسة الخارجية الإسبانية القائم على دعم الاستقرار الدولي وتسوية الأزمات عبر القنوات السياسية.
خلاصة الموقف الإسباني الرسمي يمكن تلخيصها في أربعة مبادئ أساسية: رفض الهجوم العسكري الأحادي، التمسك الصارم بالقانون الدولي، الدعوة إلى الحوار والدبلوماسية، والتحذير من مخاطر انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية طويلة الأمد ذات تداعيات مدمرة.
مبادئ تحكم الموقف الإسباني
ينسجم الموقف الإسباني من التطورات الإقليمية مع الإطار العام الذي يحكم سياستها الخارجية داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تقوم الدبلوماسية الإسبانية تقليدياً على مجموعة من المبادئ الثابتة التي تعطي الأولوية للحلول السياسية وتفادي المواجهات العسكرية.
في مقدمة هذه المبادئ يأتي تفضيل الحلول الدبلوماسية. فإسبانيا دأبت على الدعوة إلى خفض التصعيد في الأزمات الدولية، والتأكيد على العودة إلى طاولة الحوار، ودعم الاتفاقات متعددة الأطراف، كما كان الحال في دعمها السابق للاتفاق النووي مع إيران. ومن هذا المنطلق، فإن رفض «العمل الأحادي العسكري» ينسجم مع الخط التقليدي للسياسة الخارجية الإسبانية، الذي يضع التفاوض والتسويات السياسية في صدارة الخيارات.
كذلك يشكل الالتزام بالقانون الدولي ركناً أساسياً في الموقف الإسباني. فمدريد تشدد باستمرار على ضرورة وجود غطاء شرعي لأي تحرك عسكري، وخصوصاً عبر مجلس الأمن الدولي، إلى جانب احترام سيادة الدول ورفض العمليات التي تتم خارج إطار الشرعية الدولية. وعليه، فإن التأكيد على رفض أي عمل عسكري لا يستند إلى تفويض دولي يتوافق تماماً مع هذا النهج الراسخ.
أما فيما يتعلق بإيران، فتتبنى إسبانيا تقليدياً مقاربة متوازنة تجمع بين انتقاد بعض سياساتها، لا سيما في الجوانب الأمنية والإقليمية، وبين رفض خيار الحرب كوسيلة لمعالجة الخلافات. هذا الموقف المزدوج يعكس حرص مدريد على عدم الانحياز إلى التصعيد، مع الاحتفاظ بمساحة نقد سياسي واضح تجاه سلوكيات تعتبرها مقلقة.
وأخيراً، لا يمكن فصل الموقف الإسباني عن حساباته الأوروبية الداخلية، إذ تعد إسبانيا من أكثر الدول حساسية تجاه تداعيات أي نزاع واسع في الشرق الأوسط، سواء على صعيد الهجرة أو أمن الطاقة أو استقرار منطقة المتوسط. لذلك فإن التحذير من موجات نزوح محتملة وأزمات اقتصادية وطاقوية ينسجم مع المصالح الاستراتيجية الإسبانية، ويعكس قراءة واقعية لتأثيرات أي حرب إقليمية على أوروبا عموماً وإسبانيا خصوصاً.
انعكاس تأثيرات الحرب على أوروبا
في خضمّ التصعيد العسكري حول إيران، لا تبدو أوروبا مجرّد مراقب بعيد عن ساحة الصراع، بل طرفاً يتلقى ارتداداته المباشرة وإن لم يشارك في إطلاق رصاصة واحدة. فداخل الاتحاد الأوروبي تتنامى المخاوف من تحوّل الحرب إلى أزمة شاملة تضرب الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي في القارة. هذا القلق يفسّر تحرك عواصم أوروبية عدة، وعلى رأسها حكومة بيدرو سانشيز، باتجاه الدعوة إلى خفض التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي، إدراكاً منها أن كلفة الحرب لن تُقاس فقط بعدد الضربات العسكرية، بل بحجم الاضطراب الذي سيصيب الداخل الأوروبي.
تبدأ الارتدادات منذ اللحظة الأولى، حتى قبل أن تستقر خطوط النار في الشرق الأوسط. فمجرد اندلاع المواجهة يطلق موجة اضطراب في أسواق الطاقة العالمية، تدفع أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع السريع، وتنعكس مباشرة على أسعار الوقود والكهرباء في أوروبا. في سيناريو تصعيد محدود، قد يرتفع سعر البرميل من نحو 70 دولاراً إلى ما بين 75 و95 دولاراً، وارتفاع أسعار الغاز بنسبة قد تتجاوز ٥٠٪، مما يعني عملياً قفزة بمليارات اليوروهات في فاتورة الطاقة الأوروبية. ومع كل زيادة إضافية، تتسع الفجوة في ميزانيات الدول، وتزداد الضغوط على الأسر والشركات التي تعتمد على الطاقة في الإنتاج والنقل والاستهلاك اليومي.
ولا يقف الأمر عند حدود الطاقة. فأي تهديد لممرات الشحن الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، يرفع تكاليف النقل والتأمين البحري، ويؤخر سلاسل الإمداد الصناعية والغذائية. الشركات الأوروبية التي تعتمد على المواد الخام المستوردة تجد نفسها أمام ارتفاع مفاجئ في تكاليف الإنتاج، فيما ترتفع أسعار السلع في الأسواق. هكذا تبدأ أوروبا بدفع “ضريبة الحرب” منذ أيامها الأولى، حتى وإن لم تطلق رصاصة واحدة.
ومع مرور الأسابيع وتحول التصعيد إلى أزمة ممتدة، تتعمق التداعيات الاقتصادية. فارتفاع أسعار الطاقة يغذي التضخم، فتزداد كلفة الغذاء والنقل والسكن، وتتآكل القدرة الشرائية للمواطنين. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن استمرار ارتفاع النفط يمكن أن يقلص النمو في دول كبرى مثل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا بنسبة تتراوح بين 0.5% و1.2%. كما تتراجع القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية في الأسواق العالمية، ما يعمّق هشاشة الاقتصاد على المدى المتوسط ويزيد مخاطر الركود إذا طال أمد الصراع.
لكن التأثير لا يظل محصوراً في الأرقام والمؤشرات الاقتصادية. فالحرب في الشرق الأوسط تحمل معها احتمال موجات نزوح جديدة من إيران والعراق ومناطق أخرى في الإقليم. وقد تسلك هذه التدفقات المسارات التقليدية نحو أوروبا عبر تركيا واليونان، أو عبر ليبيا إلى إيطاليا، أو من شمال أفريقيا نحو السواحل الإسبانية. ومع كل موجة لجوء، تتعرض أنظمة الاستقبال والخدمات الاجتماعية لضغوط إضافية، ويتحول الملف الإنساني سريعاً إلى قضية سياسية داخلية حساسة، تعزز صعود الأحزاب الشعبوية والقومية، وتعيد الخلافات بين دول الاتحاد حول تقاسم أعباء اللجوء.
في ظل هذه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، يظهر الانقسام السياسي الأوروبي بوضوح. فدول جنوب أوروبا تميل إلى الدفع نحو التهدئة خوفاً من التداعيات الاقتصادية والهجرية، بينما تتبنى بعض دول شرق أوروبا خطاباً أكثر قرباً من الموقف الأميركي، مدفوعة باعتبارات أمنية واستراتيجية. أما دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا، فتحاول الموازنة بين دعم الحلفاء والحفاظ على الاستقرار الداخلي. هذا التباين يعكس هشاشة قدرة الاتحاد الأوروبي على اتخاذ موقف موحد وسريع، ويجعل ردّه على الأزمة متدرجاً ومحكوماً بحسابات معقدة.
وإذا طال أمد الصراع، فقد تدخل أوروبا مرحلة أعمق من التحول البنيوي. إذ ستسعى إلى إعادة رسم خريطة أمنها الطاقي عبر تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتنويع مصادر الغاز، وتقليل الاعتماد على مناطق النزاع. وفي الوقت ذاته، سيعاد طرح سؤال الدور الدولي الأوروبي: هل تتجه القارة نحو استقلال استراتيجي أكبر يمكّنها من لعب دور دبلوماسي مستقل، أم تعزز اصطفافها خلف المظلة الأمنية التي يوفرها حلف شمال الأطلسي؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ملامح السياسة الخارجية الأوروبية لسنوات قادمة.
الخلاصة
في المحصلة، تكشف الحرب على إيران عن مفارقة واضحة: أوروبا ليست طرفاً عسكرياً مباشراً في الصراع، لكنها قد تكون من أكبر المتضررين من نتائجه. فبينما تتحمل الولايات المتحدة الكلفة العسكرية، وتواجه إسرائيل المخاطر الأمنية المباشرة، تتحمل أوروبا العبء الاقتصادي والاجتماعي طويل الأمد. معركة القارة الحقيقية لا تدور على جبهات القتال، بل في قدرتها على حماية اقتصادها واستقرارها الاجتماعي ومنع انزلاقها إلى أزمة مركبة جديدة. أوروبا ليست طرفاً في الحرب، لكنها تقف في قلب نتائجها، وتواجه اختباراً حاسماً لقدرتها على إدارة الأزمات في عالم يتغير بسرعة.
كما انه، وفي ظل التصعيد القائم، قد تسعى إسبانيا إلى لعب دور فاعل داخل الاتحاد الأوروبي من خلال توظيف رصيدها الدبلوماسي التقليدي. فمدريد مؤهلة لأن تقدم نفسها وسيطاً محتملاً يسعى إلى تقريب وجهات النظر، وأن تكون صوتاً معتدلاً داخل التكتل الأوروبي يدفع باتجاه خفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية على الخيارات العسكرية. هذا التوجه ينسجم مع نهجها المعروف القائم على دعم التعددية الدولية والتمسك بالقانون الدولي.
غير أن قدرة إسبانيا على التأثير في الموقف الأوروبي العام تبقى رهينة بعدة عوامل حاسمة. في مقدمتها مواقف الدول الكبرى داخل الاتحاد، ولا سيما فرنسا وألمانيا، اللتين تضطلعان بدور محوري في صياغة السياسات الأوروبية المشتركة. كما أن طبيعة التصعيد العسكري ومداه ستحدد هامش المناورة السياسية المتاح، إلى جانب حجم الضغط الأمريكي داخل إطار حلف شمال الأطلسي، الذي قد يؤثر في حسابات العواصم الأوروبية.
وعليه، فإن فرص نجاح مدريد في دفع أوروبا نحو موقف أكثر ميلاً إلى التهدئة تظل ممكنة جزئياً، لكنها ليست مضمونة بالكامل، إذ تعتمد على توازنات معقدة تتجاوز الإرادة الإسبانية وحدها.







