نحن والعالم جميعا نصف هذا الشعب البطل بأنه شعب لا يرضى بالذل، شعب الانتفاضة التي غيرت مجرى التاريخ وشعب علّم العالم معنى أن تقول لا في وجه احتلال ليس كأي احتلال مر على التاريخ وشعب بنى دولًا في المنافي وشيّد كرامته فوق الركام، وكتب اسمه على جدار الشمس وهو أعزل إلا من إيمانه ووطنيته . ثم نسأل همسًا كيف لهذا الشعب نفسه يالله أن يتقبل هذا الواقع المرير جدًا وكيف يصفق لخطاب الفشل وهو يعرفه ويمنح الفرص لمن يبددها ويصبر على مهزلة إدارة بلد يدار أحيانًا بعقلية استراحة لا بعقلية دولة. المفارقة ليست في الشعب صدقوني وإنما المفارقة في الأربعين.
نعم أربعون جاثمون على الصدر ويتناوبون على الظهور ويتبادلون المقاعد كما يتبادلون الابتسامات أمام الكاميرات، يتحدثون عن الصمود من داخل مطاعم فخمة وعن التقشف من شرفات تطل على مدن لا تشبه القدس ولا رام الله ولا غزة ولا جنين، يسافرون للعلاج في مصحات أجنبية ويعودون ليحدثونا عن معاناة النظام الصحي. بعضهم يحمل جوازًا أجنبيًا اما بريطانيًا أو فرنسيًا أو أمريكيًا او كنديا ، لا يهم فالمهم أن جيبه مطمئن وحقيبته جاهزة، والخطة البديلة محفوظة في درج بعيد.
فهو ليس قلقًا مثلنا ولا يخاف من طابور الاذلال في بنك ولا من قرار مفاجئ ولا من راتب يتبخر، لأن الوطن عنده خيار وعندنا قدر. والجزء الآخر من هذه الفئة مرهق من النصيحة ومن كثرة ما ينصحنا يطلب منا الصبر، ويضبط إيقاع تنفسنا ويقول لنا بهدوء الطبيب لا تتحركوا كثيرًا كي لا يختل التوازن . أي توازن؟؟ توازن الكراسي طبعا …..يا الله شو في ؟؟عن جد شو في ؟؟؟؟
هل الشعب مخدر أم أنه تعب من كثرة الصراخ وهل اصبحنا نرى العبث ونسميه قدرًا ؟ أم صبحنا نخاف من فكرة أن التغيير ممكن. أقسم بالله العظيم انه لو غاب الأربعون في دقيقة واحدة لن يحدث فراغ ولن ترتجف الأرض ولن تتعطل الشمس، بل ربما يتنفس الشارع لأول مرة وسنكتشف أن البلد أكبر من الأسماء وأعمق من حسابات المصالح.
المشكلة ليست في شعب الجبارين شعب الشهداء والاسرى والأحرار وشعب الانتفاضة المجيدة .المشكلة أن هذا الشعب صار محاطًا بدائرة ضيقة تتصرف وكأنها الوطن. لا لا لا الوطن ليس أربعين الوطن ملايين. الوطن ليس جوازًا أجنبيًا في الجيب، الوطن بطاقة هوية محفورة في القلب. الوطن ليس مطعمًا فاخرا ولا مصحة أوروبية ولا مؤتمرًا بخطاب محفوظ. الوطن أم تنتظر وشاب يحلم وموظف يريد راتبه بكرامة وطفل يريد مدرسة بلا خوف.
يا إما نحن مجانين يا إما نحن طيبون أكثر من اللازم، أو ربما وهذا الاحتمال الأخطر أننا اعتدنا المشهد حتى صار طبيعيًا. شعب لا ينكسر لكنه يتألم بصمت وشعب لا يرضى بالذل لكنه يمنح الفرص حتى الإنهاك. السخرية ليست من الناس فالسخرية من واقع يقف مقلوبً ومن أربعين يظنون أن البلد يبدأ منهم وينتهي عندهم. والحقيقة البسيطة أن الشعب إذا قرر أن ينهض فلن يتسع له كرسي واحد صدقوني ولا أربعون كرسيًا. هذه البلاد أكبر من صدور ضاقت بها وأكبر من أسماء تعتقد أنها قدر. والشعب مهما طال صمته لا ينام إلى الأبد. تعبنا تعبنا وكتير .
وسلامي لكم يا شعب الجبارين





