ثمةَ لحظاتٌ فارقة في تاريخ الأفراد والأمم يغيبُ فيها عن الأبصار أنَّ ما يُرى ليس إلا قشرةَ المشهد، وأنَّ ما يُدوِّي في السطح ليس إلا صدًى لاهتزازٍ عميقٍ في القاع. إنَّ أكثر الأزمات التي تطحننا رحاها ليلَ نهارٍ لا تُستولد من ظاهرها، ولا تُختزل في شعاراتها وصخبها، بل تنبع من طبقاتٍ خفيَّةٍ من الخلل البنيويّ، ومن تراكماتٍ صامتةٍ في الوعي والسلوك والرؤية. فالمرئيُّ من جبل الجليد في المحيط ليس سوى شُذرةٍ بيضاءَ طافية، أمّا الكتلةُ العظمى فكامنةٌ في الأعماق، وهي التي تتحطَّم عليها السفن حين تستهين بما لا يُرى.
وهكذا شأنُ الحضارات حين تُفتن ببريق العوارض وتغفل عن جذر العِلَل؛ تُكثر من معالجة الأعراض وتُهمل تشخيص الداء، فتدور في حلقةٍ مُفرغةٍ من المسكِّنات الفكرية والإصلاحات الشكلية. تُصلِح الواجهة وتدعُ الأساسات تتآكل، تُبدِّل الشعارات وتُبقي المنظومات على حالها، فتستيقظُ كلَّ صباحٍ على أزمةٍ تُشبه أختَها، وإن اختلفت أسماؤها ووجوهها.
إنَّ التحوُّلات الكونية المتسارعة التي تعصف بالعالم اليوم — في السياسة والاقتصاد والمعرفة والقيم — لا تترك لأحدٍ ترفَ الوقوف على الرصيف متفرِّجًا. فالسيرورة التاريخية لا تنتظر المتردِّدين، والسننُ لا تُحابِي الكسالى. وأمام هذه الانقلابات لا ثالثَ لطريقين: إمّا التأقلم الواعي، وإمّا الفرار المُقنَّع بالجمود.
غير أنَّ التأقلم الذي نبتغيه ليس ذوبانًا في التيار، ولا تخلِّيًا عن الذات حتى تتلاشى معالمُها في ضباب العولمة الجارف. ليس هو انبهارًا أعمى بكلِّ وافد، ولا استلابًا يُفضي إلى قطيعةٍ مع الجذور. إنَّه تأقلمٌ حيويٌّ، يمارسه الأحياءُ كي يستمرّوا، لا كي ينقرضوا كما انقرضت الكائناتُ التي عجزت عن قراءة تحوُّل البيئة من حولها. هو قدرةٌ على التمييز بين الثابت والمتغيِّر، بين الأصل والفرع، بين ما يُصان لأنه جوهر، وما يُطوَّر لأنه أداة.
التأقلم الحقّ هو أن نُعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نُراجع مسلَّماتنا على ضوء معاييرَ علميةٍ رصينة، وأن نُنمِّي في أنفسنا ملكةَ النقد لا هوسَ الهدم. هو أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بالقصور، دون أن نسقط في جلد الذات، وأن نستثمر طاقاتنا في البناء لا في تبادل الاتهامات. هو أن نُحسن قراءة الواقع قراءةً تحليليةً تُنزله منزلته، فلا نُهوِّله حتى نُشلَّ، ولا نُهوِّن منه حتى نُفاجأ بانفجاره.
أمّا الفرار، فله وجوهٌ شتّى، كلُّها تنتهي إلى العجز. منه الارتماء في أحضان الماضي اجترارًا للذكريات، والبكاء على أطلالٍ لم تَعُد تصلح مأوى، وتقديسُ تجاربَ تاريخيةٍ دون وعيٍ بسياقاتها. ومنه كذلك الاحتماءُ بالإنكار، وادِّعاءُ أنَّ العاصفةَ عابرةٌ، وأنَّ الزمن كفيلٌ بإصلاح ما أفسدته الأيدي. غير أنَّ الزمن لا يُصلح ما لا نُصلحه، ولا يُداوي ما نُصرُّ على إهماله.
إنَّ الاكتفاء بالنوح على الخرائب لا يُثمر غير صدى نعيق الغربان، ولا يُشيِّد مستقبلًا يُؤوي الأجيال. فالماضي — مهما كان مجيدًا — لا يُستعاد بحنينٍ أجوف، بل يُستحضر بقيمه الحيَّة التي تُلهم الحاضر وتُوجِّه المستقبل. أمّا التعلُّق به بوصفه ملاذًا نهائيًّا، فهو انسحابٌ من معركة البقاء في زمنٍ لا يرحم المتقاعسين.
ولعلَّ أخطر ما يُهدِّدنا أن نُخطئ تشخيص العِلَّة، فنُحارب ظلالًا ونترك الأصل. أن نُخاصم مظاهرَ الأزمة ونُغفل البنية التي أنشأتها؛ بنيةَ التفكير، ونمطَ الإدارة، وثقافةَ الاستسهال، وغيابَ التخطيط بعيد المدى. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة بناء الإنسان: وعيًا، وقيمةً، ومهارةً. فإذا صلح الإنسان، صلحت مؤسَّساته تبعًا؛ وإن فسد، فلن تُجدي القوانين وحدها.
إنَّ الأمم التي نجحت في عبور منعطفات التاريخ لم تكن تلك التي أنكرت ذاتها، ولا تلك التي تحجَّرت في قوالبها، بل التي أحسنت المزاوجة بين الأصالة والتجديد، بين الوفاء للهوية والانفتاح على العالم. أدركت أنَّ الثبات المطلق موتٌ، وأنَّ التسيُّب المطلق ضياع، فاختارت طريقًا ثالثًا في الجوهر: ثباتٌ في القيم، وحركةٌ في الوسائل.
في نهاية المطاف، لسنا مخيَّرين بين أن نكون كما كنّا أو أن نكون كما يُراد لنا، بل بين أن نُحسن صياغة وجودنا في عالمٍ متغيِّر، أو أن نُترك على هامشه. والتاريخ شاهدٌ أنَّ السفن لا يُنجيها تجاهلُ الجبال الكامنة تحت الماء، بل يقظتُها، وحُسنُ ملاحتها، وجرأتُها على تعديل مسارها قبل أن ترتطم بما لا يُرى





