الشرق الأوسط يحترق: الحرب الشاملة التي حُذرنا منها اندلعت.. وإيران ترد بضرب الخليج

بن معمر الحاج عيسى

في صبيحة يوم 28 فبراير 2026، دوت صفارات الإنذار في سماء الشرق الأوسط معلنة بدء مرحلة جديدة كلياً من تاريخ الصراع في المنطقة. ففي عملية عسكرية مفاجئة أطلقت عليها الولايات المتحدة وإسرائيل اسم “عملية الغضب العظيم” (Operation Epic Fury)، شنت القوات الأمريكية والإسرائيلية هجوماً واسع النطاق عبر كامل الأراضي الإيرانية، استهدف البنية التحتية الصاروخية والنووية، وقاد إلى مقتل أعلى هرم السلطة في طهران، المرشد الأعلى علي خامنئي، مع عدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين .

بهذه الضربة، لم يعد الصراع الإيراني الإسرائيلي حرباً بالوكالة أو عمليات سرية في الظل، بل تحول إلى حرب دولية شاملة تهدد بإشعال المنطقة برمتها. فما حدث لم يكن مجرد تصعيد عابر، بل هو انهيار كامل لمنظومة الردع الهشة التي أدارت اللعبة الإقليمية لعقود، ودخول الشرق الأوسط في عصر جديد من المواجهة المباشرة التي ستعيد رسم الخرائط وتُبدل التحالفات وتخلق واقعاً استراتيجياً مختلفاً جذرياً .

العملية العسكرية: ضربة في قلب طهران

العملية التي بدأت فجر 28 فبراير استخدمت مزيجاً من الضربات الجوية والصاروخية والسيبرانية المركزة. وفقاً للتقارير الأولية، استهدفت الغارات الأمريكية الإسرائيلية منظومات إنتاج الصواريخ الإيرانية، والقدرات البحرية في الخليج العربي، ومواقع القيادة الاستراتيجية، بما في ذلك مواقع في طهران نفسها . النتيجة الأكثر صدمة كانت مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، الرجل الذي حكم إيران بقبضة حديدية لأكثر من ثلاثة عقود، مع عدد من قادة الحرس الثوري الكبار .

اختيار التوقيت كان لافتاً. فالهجوم وقع في اللحظة التي كانت فيها المفاوضات غير المباشرة بوساطة عُمان تقترب من تحقيق اختراق، حيث أبدت إيران مرونة محتملة بشأن مستويات التخصيب. لكن واشنطن رأت الوضع بشكل مختلف: فوفقاً للمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، أبلغ المفاوضون الإيرانيون الجانب الأمريكي أنهم يمتلكون ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لصنع 11 سلاحاً نووياً، مع إمكانية رفع التخصيب إلى مستوى 90% (درجة الأسلحة) في غضون سبعة إلى عشرة أيام فقط .

الرسالة الأمريكية الإسرائيلية كانت واضحة: نزع القدرة النووية الإيرانية نهائياً، وتفكيك برنامجها الصاروخي، وربما الأهم، تهيئة الظروف لما وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه “تمكين الشعب الإيراني الشجاع من أخذ مصيره بيديه” . أي أن الهدف تجاوز الضربة العسكرية نحو تغيير النظام نفسه.

الرد الإيراني: استراتيجية الفوضى الموسعة

لكن إيران، كما توقع الجميع، لم تبقَ مكتوفة الأيدي. فخلال ساعات، أطلقت طهران وابلًا من الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه إسرائيل، والأهم، باتجاه القواعد والمصالح الأمريكية في دول الخليج العربي . الرسالة الإيرانية كانت واضحة بنفس القدر: “إذا كنا سنحترق، فسنشعل النار في كل من حولنا”.

الرد الإيراني لم يستهدف فقط القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. فصواريخ إيرانية ضربت أهدافاً في قطر والإمارات والبحرين والكويت والسعودية وعُمان . مطار الدوحة، ناطحات السحاب في دبي والمنامة، مطار الكويت، وأحياء في الرياض، كلها شهدت انفجارات إما بفعل الصواريخ نفسها أو شظايا اعتراضها . هذا التوسع في دائرة الاستهداف قلب حسابات دول الخليج رأساً على عقب. فهذه الدول التي راهنت لعقود على موقعها كـ”جزر استقرار” في بحر من الاضطرابات، وجدت نفسها فجأة في خندق المواجهة المباشرة.

بالنسبة لدول الخليج، المشكلة معقدة بشكل لا يُحتمل. فهي من جهة تستضيف قواعد عسكرية أمريكية حيوية: البحرين تستضيف الأسطول الخامس الأمريكي، قطر تستضيف قاعدة العديد الجوية (أحد أكبر القواعد الأمريكية في المنطقة)، والإمارات شريك أمني وثيق لواشنطن . لكنها من جهة أخرى، لا تريد الحرب. كل دول الخليج حاولت جاهدة في الأسابيع التي سبقت الهجوم ثني واشنطن عن الضربة، عبر وساطات عُمانية قطرية مكثفة، وأبدت استعداداً لتهدئة التوتر مع إيران عبر قنوات دبلوماسية مفتوحة .

الآن، تواجه هذه الدول “مأزقاً مستحيلاً”: إما الرد على الضربات الإيرانية والمشاركة في الحرب إلى جانب إسرائيل (وهو أمر كارثي على مستوى الشرعية الداخلية والرأي العام العربي)، وإما البقاء مكتوفة الأيدي ورؤية مدنها تحترق تحت وابل الصواريخ . بعض المحللين يرون أن الخليجيين قد يختارون حلاً وسطاً: الرد بشكل جماعي عبر قوة “درع الجزيرة” التابعة لمجلس التعاون، لإظهار أنهم يقودون الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم، لا أنهم مجرد منصة انطلاق للصواريخ الأمريكية والإسرائيلية .

مضيق هرمز: معركة الشرايين الاقتصادية

في قلب هذه المواجهة، يبرز مضيق هرمز كأخطر ساحة صراع اقتصادي. فالمضيق الذي يمر عبره حوالي 20% من إمدادات النفط العالمية (حوالي 21 مليون برميل يومياً) وربع تجارة الغاز المسال، أعلنت إيران إغلاقه فعلياً . ورغم أن إيران تواصل تصدير نفطها (80% منه إلى الصين)، إلا أن الحرس الثوري حذر من استهداف أي ناقلة تعبر المضيق. بالفعل، وقع هجوم على ناقلة “سكاي لايت” قرب شبه جزيرة مسندم العمانية، مما دفع السفن إلى التكدس عند مداخل المضيق بدلاً من العبور، وارتفعت أقساط التأمين بشكل هائل مع تعليق بعض شركات التأمين تغطيتها بالكامل .

النتيجة كانت فورية وصادمة. أسعار النفط قفزت بنحو 10% في الأيام الأولى، مع تحذيرات من أن استمرار الإغلاق قد يدفع الأسعار إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، وصولاً إلى 150 دولاراً في سيناريوهات متشائمة . بعض المحللين يشبهون ما يحدث بأزمة النفط في السبعينيات عندما ارتفعت الأسعار 300% .

التداعيات الاقتصادية لا تتوقف عند النفط فقط. فالإغلاق يهدد سلاسل التوريد العالمية للأسمدة والمنتجات الاستراتيجية الأخرى. الاقتصادات الآسيوية الكبرى كالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، التي تستورد 70-80% من نفط الخليج عبر هرمز، تواجه خطر تضخم مستورد قد يعطل تعافيها الاقتصادي . أما أوروبا، فرغم أنها أقل اعتماداً مباشراً على نفط الخليج مقارنة بالماضي، إلا أنها ستعاني من تقلبات الأسعار العالمية والتضخم المستورد، ناهيك عن تأثر شحنات الغاز المسال القطرية المتجهة إليها .

سيناريوهات المواجهة: ثلاث طرق للمستقبل

المراقبون العسكريون والاستراتيجيون يرسمون ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطور الحرب :

السيناريو الأول: تصعيد محدود وهدنة متفاوض عليها (احتمال 30%): في هذا السيناريو، تمتص إيران الضربات ولكنها تتجنب التصعيد الشامل. تبقى ردود فعل الوكلاء محدودة، وتُفتح قنوات دبلوماسية خلفية (ربما عبر عُمان أو قطر) خلال 2-4 أسابيع. يستقر سعر النفط تحت 100 دولار، ويعود الجميع إلى مربع الردع الهش.

السيناريو الثاني: صراع إقليمي مستدام (احتمال 45%): تستمر الضربات المتبادلة. يزداد نشاط وكلاء إيران (حزب الله في لبنان، الحوثيين في اليمن، الميليشيات في العراق وسوريا). تستمر الاضطرابات في مضيق هرمز، وقد يفتتح حزب الله جبهة شمالية مع إسرائيل. يبقى النفط فوق 120 دولاراً، وتدخل اقتصادات الخليج حالة تأهب أمني قصوى.

السيناريو الثالث: اشتعال استراتيجي شامل (احتمال 25%): الأسوأ على الإطلاق. هجمات مباشرة على البنية التحتية للطاقة (مثل منشآت أرامكو السعودية). تعبئة كاملة لوكلاء إيران على كل الجبهات. توسع الولايات المتحدة في نشر قواتها البرية. صدمة ركود عالمية. شلل كامل لمجلس الأمن. هذا السيناريو يعني حرباً مفتوحة قد تمتد لأشهر.

إيران ما بعد خامنئي: فراغ السلطة والصراع الداخلي

مقتل خامنئي خلق فراغاً سياسياً هائلاً في طهران. وفقاً للمادة 111 من الدستور الإيراني، انتقلت السلطة مؤقتاً إلى مجلس مؤقت ثلاثي يضم الرئيس مسعود بزشكيان، رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، وممثل مجلس صيانة الدستور آية الله علي رضا أرفعي . لكن السؤال الأكبر: من سيخلف خامنئي نهائياً؟ مجلس خبراء القيادة المؤلف من 88 رجل دين يجب أن يجتمع وينتخب المرشد الجديد، لكن انعقاده وسط الظروف الأمنية الحالية غير مؤكد.

الصراع على خلافة خامنئي يضيف طبقة إضافية من التعقيد. الأسماء المطروحة تشمل غلام حسين محسني إيجئي (المحافظ المتشدد)، حسن الخميني (حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية ويعتبر معتدلاً نسبياً ومقبولاً من الإصلاحيين والحرس الثوري)، مجتبى خامنئي (نجل المرشد الراحل، لكن خلفيته قد تشكل عبئاً في بيئة دينية شيعية ترفض التوريث)، إضافة إلى شخصيات دينية أخرى كعلي رضا أرفعي ومحمد مهدي ميرباقري .

في الشارع الإيراني، المشهد معقد ومثير للقلق. فبدلاً من انتفاضة موحدة ضد النظام كما راهنت واشنطن، يظهر انقسام اجتماعي حاد. البعض يخرج فرحاً بمقتل خامنئي متذكراً عقوداً من القمع والانهيار الاقتصادي، بينما يخرج آخرون من أنصار النظام ومريديه في مآتم حزينة يطالبون بالثأر . هذا يعني أن احتمالات الانهيار قد تؤدي إلى حرب أهلية وفوضى تشبه ما حدث في العراق بعد سقوط صدام، بدلاً من انتقال سلس وسلمي للسلطة .

الموقف العربي والإقليمي: حسابات معقدة

الدول العربية وجدت نفسها في موقف لا تُحسد عليه. فمن جهة، تعرضت دول خليجية لهجمات إيرانية صريحة على أراضيها، مما يستدعي حق الرد وفق القانون الدولي . ومن جهة أخرى، لا تريد أي دولة عربية أن تُرى وهي تقاتل إلى جانب إسرائيل ضد إيران.

المواقف الرسمية تراوحت بين الحذر الشديد والإدانة الواضحة. قطر أدانت استهداف أراضيها كـ”انتهاك للسيادة” واستدعت السفير الإيراني، مع التأكيد على حقها في الرد. السعودية أشارت إلى استعدادها لاتخاذ “أي إجراءات” لحماية شعبها بما في ذلك الرد. دول عربية أخرى كالأردن ومصر وتونس دعت لضبط النفس مع رفض واضح لانتهاك السيادة .

تركيا، التي لعبت دوراً دبلوماسياً نشطاً لمحاولة تجنب الضربة على إيران، وجدت نفسها في موقف دقيق. وزير الخارجية هاكان فيدان شدد على أن الأحداث “بدأت بهجوم إسرائيل وأمريكا على إيران، واستمرت باستهداف إيران لدول ثالثة” . أنقرة تخشى من تدفق لاجئين جدد عبر حدودها، واستغلال الأكراد للفراغ الأمني في إيران لتعزيز مكاسبهم.

الأبعاد الدولية: صراع القوى الكبرى

هذه الحرب لا تدور في فراغ جيوسياسي، بل في سياق تحول عالمي كبير نحو نظام متعدد الأقطاب. الصين، المستورد الأكبر للنفط الإيراني والمستثمر الرئيسي في البنية التحتية للخليج عبر “الحزام والطريق”، تراقب بقلق. أي اضطراب طويل الأمد في إمدادات الطاقة يهدد استقرارها الاقتصادي. بكين ستسعى عبر قنوات دبلوماسية لوقف التصعيد، لكنها لن تتدخل عسكرياً .

روسيا ترى في ارتفاع أسعار النفط مكسباً استراتيجياً يعزز إيراداتها في ظل استمرار حرب أوكرانيا، كما أن تورط أمريكا في الشرق الأوسط يخدم حسابات موسكو الجيوسياسية .

أوروبا، التي تجد نفسها على الهامش كما لم يحدث من قبل، تتحرك في عدة مسارات. مسؤولو الاتحاد الأوروبي دعوا للتهدئة فوراً، مع تكثيف الجهود الدبلوماسية. كما أن هناك نقاشاً حول توسيع عملية “أجينور” (التعاون الأمني البحري الأوروبي الخليجي) وعملية “أسبيدس” في البحر الأحمر لحماية حرية الملاحة . لكن أوروبا تدرك أنها خارج دائرة القرار الأساسي.

تداعيات إنسانية واستراتيجية بعيدة المدى

بعيداً عن الحسابات العسكرية والاقتصادية، هناك واقع إنساني مؤلم. إغلاق المجال الجوي في 8 دول على الأقل عطل السفر العالمي. مئات الآلاف ربما ملايين المدنيين في إيران ودول الخليج يعيشون في رعب من الضربة القادمة. المدارس أصيبت، وقتلى سقطوا، وجرحى في المستشفيات .

الأهم استراتيجياً، أن هذه الحرب تمثل نهاية حقبة كاملة من “الردع المحدود” في الشرق الأوسط. لعقود، اعتمدت المنطقة على توازن دقيق من التهديدات غير المباشرة والحروب بالوكالة. الآن، انتقلنا إلى مرحلة المواجهة المباشرة بين الدول، حيث الصواريخ تعبر الحدود بلا حسيب، وحيث كل الأطراف مكشوفة .

ما ينتظرنا في الأسابيع المقبلة سيكون حاسماً. إما أن تنجح الدبلوماسية الإقليمية والدولية في جر الجميع إلى مسار التهدئة (وهو أمر صعب في ظل سقوط مرشد إيراني وقتلى في الخليج)، أو أن ننزلق إلى حرب إقليمية طويلة الأمد ستعيد تشكيل المنطقة لعقود، وستكتب فصولها بالدم والنار. الشرق الأويل لم يعد كما كان قبل 28 فبراير 2026، وكل الاحتمالات باتت مفتوحة على مصراعيها.