صراعات الاستنزاف في الخليج وتداعياتها على القضية الفلسطينية…

بقلم : د. عبدالرحيم جاموس

أثارت التدوينة التي نشرها رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، لما حملته من تحذيرات تتعلق بمستقبل الصراع في المنطقة، وبخاصة في ظل التصعيد المتزايد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

فالرجل الذي شغل موقعاً مؤثراً في السياسة الخليجية لسنوات طويلة لا يتحدث عادةً بلغة عابرة، بل يستند غالباً إلى خبرة عميقة في قراءة توازنات القوى الإقليمية والدولية.
جوهر التحذير الذي طرحه بن جاسم يتمحور حول فكرة استدراج دول الخليج إلى مواجهة مباشرة مع إيران.

فبحسب قراءته، قد ينتهي الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في مرحلة ما، لكن دخول دول مجلس التعاون الخليجي طرفاً مباشراً فيه سيحوّل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، تستنزف الموارد الاقتصادية والعسكرية لدول المنطقة، وتفتح الباب لتدخل قوى دولية متعددة بحجة الوساطة أو الحماية أو إعادة التوازن.

هذه الفكرة ليست بعيدة عن نماذج شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، حيث تحولت بعض الحروب الإقليمية إلى صراعات طويلة الأمد تخدم مصالح القوى الكبرى أكثر مما تخدم شعوب المنطقة.

ففي مثل هذه الإحتمالات ، تتحول الدول الكبرى إلى مورّد للسلاح ووسيط سياسي في الوقت ذاته، بينما تدفع الدول المتصارعة الكلفة البشرية والاقتصادية.

لكن الأهم في طرح بن جاسم ليس فقط التحذير من حرب خليجية–إيرانية محتملة، بل النتيجة الاستراتيجية التي قد تترتب على ذلك، وهي بروز واقع إقليمي جديد يمنح إسرائيل نفوذاً أكبر في المنطقة.

فإذا استُنزفت القوى الإقليمية الكبرى، وتشتت اهتمام الدول العربية بصراعاتها الأمنية المباشرة، فإن ذلك سيخلق فراغاً سياسياً واستراتيجياً يمكن لإسرائيل أن تملأه، سواء عبر التفوق العسكري أو عبر التحالفات الجديدة التي قد تنشأ في مرحلة ما بعد الصراع.

ومن هنا يظهر البعد الأخطر لهذا المآل بالنسبة للقضية الفلسطينية.
فالقضية الفلسطينية ظلت تاريخياً القضية المركزية في الشرق الأوسط، لكنها تتعرض في السنوات الأخيرة لمحاولات متزايدة لتهميشها أو تجاوزها ضمن ترتيبات إقليمية جديدة.

وإذا انشغلت المنطقة بصراعات كبرى أخرى، فإن ذلك قد يؤدي إلى تراجع مكانة القضية الفلسطينية على جدول الأولويات الدولية والإقليمية.

في مثل هذا الواقع، قد تجد إسرائيل فرصة لتعزيز سياساتها على الأرض في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، سواء من خلال توسيع الاستيطان أو فرض وقائع سياسية جديدة تجعل حل القضية الفلسطينية أكثر تعقيداً.

كما أن انشغال الدول العربية بصراعات أمنية مباشرة قد يضعف قدرتها على دعم المشروع الوطني الفلسطيني سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً.

إن القراءة الموضوعية لتحذير حمد بن جاسم لا تعني بالضرورة التسليم بكل ما يقال حول وجود “مخطط سري” بالمعنى الحرفي، فالعلاقات الدولية غالباً ما تحكمها تقاطعات مصالح واستراتيجيات غير معلنة أكثر مما تحكمها مؤامرات مكتوبة.

غير أن التحذير يسلّط الضوء على حقيقة مهمة: أن تحويل الصراع في المنطقة إلى مواجهة إقليمية واسعة قد يخدم في النهاية أطرافاً محددة على حساب استقرار المنطقة وقضاياها العادلة.

من هذا المنطلق، يصبح من الضروري أن تدرك الدول العربية، ودول الخليج على وجه الخصوص، أن أي تصعيد عسكري واسع قد يعيد تشكيل خريطة الشرق الأوسط بطريقة لا تخدم مصالح شعوب المنطقة، ولا تخدم كذلك القضية الفلسطينية التي تبقى جوهر الصراع في المنطقة.

إن الحفاظ على استقرار المنطقة، وتجنب الانجرار إلى حروب استنزاف، والعمل في الوقت ذاته على إبقاء القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام العربي والدولي، يمثلان معاً شرطين أساسيين لحماية ما تبقى من فرص تحقيق حل عادل يضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

وفي النهاية، فإن الرسالة الضمنية التي يمكن استخلاصها من هذه التدوينة هي أن تفكيك المنطقة عبر صراعات جانبية قد يكون الطريق الأقصر لتصفية القضية الفلسطينية أو تهميشها، وهو ما يفرض على القوى العربية والفلسطينية على حد سواء قراءة التحولات الجارية بوعي استراتيجي يتجاوز ردود الفعل الآنية، ويضع في الاعتبار مستقبل المنطقة بأكملها.